يمثلون الجيل الأول لـ”إماريرن”
ويتبع المؤلف منهجا كرونولوجيا في تراجم “إماريرن”، إذ بدأ بالشعراء الذين ولدوا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وقضوا نحبهم في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين، فهم بذلك يمثلون الجيل الأول لـ”إماريرن” ومن أبرزهم “لحسن بوزنير” و”عمر ؤلحنفي” و”أكَناو ن ؤمالو” و”بلاّ ن ترعمت…”، ثم الذين ولدوا في الربع الأول من القرن العشرين كـ”مبارك بن زيدا” و”محمّاد إحبيرّو”، و”بوسلام ؤعمر…” وهم يمثلون الجيل الثاني، فالذين ولدوا في منتصفه كـ”لحسْن أجماع” و”إحيا بوقديرأزدّو” و”الحسَن أولحاج” و”عمر برغوت” و”ابراهيم لشكَر” وآخرون ليختم بالرايس “عابد كَ ئِشت” أصغر شعراء أسايس على حد تعبيره!؟ (ص 405)، وتُلاحظ على هذا التصنيف أمور كثيرة، منها.
تباين الأجناس
أنه يَفترض في القارئ معرفة سابقة بأنماط أحواش حتى يميز بين شعراء “أهناقار” و”الدرست” و”أجماك” و”أحواش مزوضة” من المترجم لهم في الكتاب، فالباحث يضع “الحاج احماد الريح” مثلاً بين “خدوج تاحلوشت” و”بوسلام أزدّو” رغم تباين الأجناس التي يرتجلون فيها الشعر.
أن الباحث لا يلتزم دائما بسنة الميلاد في التراجم التي يوردها، إذ نجد مثلا ترجمة “الهاشمي أزدّو” تسبق ترجمة “امحند باخشين” و”عبد الله أوشن”، و”حجوب حيماد” يسبق “عمر إجيوي”،…
أن الباحث يورد اسم بعض الشعراء منسوبا إلى أبيه في موضع، ثم يذكره منسوبا إلى بلدته في موضع آخر، مما يجعل القارئ يحسبهما شخصين مختلفين وما هما في الواقع إلا اسمان لشخص واحد، ومثال ذلك “ئدّر ؤعلي / ئدّر ؤتازولت”، “عابد كَ ئشت” / “عابد حمايد”…
أصغر شعراء أسايس
أن هناك هوة شاسعة في آخر التراجم بين الشاعر “الحْسن إكَاسي” المزداد سنة 1958 و”عابد كَ ئشت” المزداد سنة 1976، قد توهم من جهة بأن “عابد” أصغر شعراء أسايس الكبار والأمر ليس كذلك إلا إذا اعتبرنا الشهرة الإعلامية وتسويق الاِسم بمختلف الطرق، وتُوهم من جهة ثانية بأن هناك “فراغا” من الشعراء في أسايس الذين ولدوا في فترة نهاية الخمسينات والسيتينات وبداية السبعينات مع أن الواقع غير ذلك.
اضطرابا في التاريخ
أن هناك اضطرابا في التأريخ لبعض الشعراء، فيذكر الباحث مثلاً أن “محند باخشين” ولد سنة 1886،وتوفي سنة 1987، لكنه يعقب تارة بأنه تجاوز المائة بسنوات عديدة، ثم يذكر أنه توفي عن سن مائة وعشر سنين (ص 86) ،أي أن ميلاده يُرجح أن يكون عام 1876، وليس ما تم إثباته في الترجمة، وهو ما يُلاحظ كذلك في ترجمة “عمر إجيوي” إذ أورد الباحث أنه توفي سنة 1996(ص 140)، لكنه ينقل محاورة جرت بين “إجيوي” و”الحَسن ؤلحاج” بمزوضة يوم 27 يوليوز 1997 قبل وفاة “إجيوي” ببضعة أشهر”!؟ (ص 262) وهو ما يخالف التاريخ الذي سبق ذكره.
إنتاج الشاعر
وتتكون كل ترجمة من تعريف بالشاعر المعني ومولده وبلدته وكيفية ولوجه عالم الشعر والمحاورة وكل ما يتوفر عن تجربته الفنية، ومميزاته النفسية وسلوكه في “أسايس”، وأهم الذين تتلمذ على يدهم أو حاورهم شعرا، ثم يلي ذلك حديث عن الخصائص العامة لشعره مع مختارات من أجود محاورات الشاعر وأقواها تثبت ما سبق وتعضده، وبعض من قصائد “تازرّارت” أو الرسائل الشعرية إن وجدت في إنتاج الشاعر، ويُلاحظ هذا النوع الأخير من الأدب عند شعراء مزوضة (الحسن ؤلحاج، عمر إجيوي…) وأيت وادريم “احماد ؤدريس، احماد حنتجّا…” و”الحسن أجماع” و”ابراهيم لشكَر” و”الحسين أساكني” وآخرين، وهو جدير بدراسة خاصة، على أن الباحث لا يعتمد معيار غزارة الإنتاج خصوصا حينما يتعلق الأمر بالمتقدمين من الشعراء، فقد ترجم للذين يدلون بدلوهم في المحاورات بالأبيات القليلة الموجزة، كما ترجم للذين يبدعون القصائد الطوال التي يودعونها الغزَل أو الأحداث التاريخية وما إلى ذلك.
وإذا كان بعض المثقفين الأمازيغ الذين اهتموا بالتاريخ والثقافة الأمازيغية وجرفتهم النزعة العروبية المشرقية في فترة معلومة من تاريخ المغرب قد أولوا عناية كبيرة لـ”نبوغ المغاربة” في الأدب العربي، واعتبروا سوساً عالمة مبدعة بلسان غيرها وتتبعوا أعلامها وأسرها العلمية، فمن حسنات الكتاب أنه أبرز ولو بشكل غير مباشر دور بعض الأسر الشعرية بسوس والحوز في إمداد “إسوياس” بطاقات شعرية فريدة أبدعت بلغتها الأم وقدمت مساهمات وروائع لا تقل بلاغة وبيانا عما يوجد في كل آداب الدنيا ولغاتها، ومن تلك الأسر، أسرة “بن ئغيل، أسرة “الحنفي”، أسرة “أساكني”، أسرة “بيضني”، أسرة “برغوت”، أسرة جاخّا…كما يمكن ملامسة خصوصيات المدارس الشعرية من خلال إنتاجات أعلامها، ذلك أننا نجد مدرسة “تارودانت/طاطا”، ومدرسة “أشتوكن/أيت باها”، ومدرسة “الحوز” ولكل واحدة منها طرق و مميزات وأوزان مفضلة وتيمات سائدة.
الاختيار الغزلي
وعلى فرض أن كل شاعر قد طرق جلّ الأغراض والمواضيع التي تروج في المجتمعات المحلية وتفرض نفسها في أسايس المرتبط عضويا بقضايا الإنسان والمجال وخصوصياته السوسيولوجية والاقتصادية والذّهنية، نجد اتجاهات موضوعاتية فالاختيار الغزلي لدى الشعراء من خلال الكتاب، يبدو واضحا لدى “علي بيضني” و”ئدر ؤتازولت” و”الحسن إكَاسي”… والسياسي/الاجتماعي لدى “محماد بويحزماي” و”ابراهيم لشكر”… والاتجاه الحكمي عند “عبد الله بوزيت” و”سعيد كَ ؤزرو” و”عمر برغوت”… ومنحى السخرية لدى “عبد الرحمان ؤدوساون” و”الحسين أكَرّام”… والهجاء اللاّذع عند كل من “الحسن إكَاسي” و”بوبكر أخياط” و”مبارك بن زيدا”…
وقد توفق الأستاذ “عصيد” في رسم البورتريهات الدقيقة التي استهل بها كل ترجمة إذ حاول أن يمسك بالمميزات النفسية والطباعية للشعراء المترجمين الذين عايشهم مع إيراد مسالكهم في النظم والمعاملة، وما إلى ذلك، فلا تجد وصفا مكرورا أو نمطيا أو حشوا لا طائل من ورائه.
النظم في إسّوسن ن تمغارين
وعلى أهمية التقديم الذي استهل به الباحث الكتاب نجد أن مضمونه ينطبق بالدرجة الأولى على شعراء نمط “أهناقار” و”الدرست” السائدين بمنطقة “طاطا وتارودانت”، إذ لا يشترط الصوت الحسن (ص 9) في أحواش مزوضة ولا في أجماك ن واشتوكن لوجود الإنشاد الجماعي الذي يحمل عن الشاعر عبء إيصال الأشعار إلى الجمهور “أكَدود”agdud ، كما لا يُشكل “النظم في إسّوسن ن تمغارين” (ص 12) مرحلة من مراحل تكوين الشاعر في “أجماك” مثلا، لأن غناء النساء “لهضرت/ تاجماكت” في المناطق التي يسود فيها هذا الفن (أشتوكن، أيت باها، تنالت، أيت وادريم …) مستقل عن الرجال إلا ما كان من ضبط الإيقاع، ثم إنه لا يكون إلا داخل البيت غالبا.
بقلم الكاتب والباحث الأمازيغي: سعيد جليل / “تِغِيـرْتْ نْيـُوزْ”
للاطلاع على الجزء الأول من المقال (أنقر هنا)
رابط قصير: http://www.tighirtnews.com/?p=9673








