الرئيسية » سياسة ومجتمع »

أساتذة التعليم الإبتدائي بسوس … العيش وسط بيئة متوحشة منقطعة عن العالم الخارجي

استقبل قطاع التعليم بجهة سوس ماسة درعة ما مجموعه 760 ألف و467 تلميذ وتلميذة مسجلا زيادة بلغت 22 في المائة، منها 431 ألف و627 بالسلك الابتدائي وثم بناء 23 مؤسسة جديدة سبعة منها جماعتية تضم مرافق إدارية ورياضية وصحية.

كما عرف التعليم الخصوصي تطورا كبيرا بسلكي الابتدائي والإعدادي بلغت نسبته على التوالي %8.1 و%8.5، إذ بلغ عدد التلاميذ خلال هذا الموسم 38 ألف و888 تلميذ (ة) بالابتدائي و7347 بالإعدادي واستفاد قطاع التعليم الخاص كما هو معهود من الدعم المقدم له في المقابل وتماشيا مع التوجهات العامة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية التي تتسابق الحكومات المتعاقبة لتنفيذها مقتدية بنصائح المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي….) وعرف القطاع العام تسارعا وثيرا في تساقطه وتهالكه عبر مجموعة من الإجراءات المستوحاة من لب الميثاق الوطني للتربية والتكوين والتي تضرب في الصميم كل مكونات المنظومة التعليمية.

ويعد المدرس الحلقة الأضعف في هذه المنظومة خلال المرحلة التاريخية بالذات، بالنظر لما آلت إليه حال الهيئات المدافعة عن حقوق الشغيلة التعليمية مما سهل المزيد من الاستغلال وإعادة الانتشار وتغييب الساكنة في أي سياسة تعليمية في ظل مشاكل متعلقة بشاسعة الجهة وتواجد معيقات طبيعية وأخرى مرتبطة بضعف البنية التحتية (الطرق، القناطر، مستشفيات…).

az

الصورة من الأرشيف

وشكلت مراجعة النظام الأساسي لموظفي التعليم أولى الإرهاصات التي ستزيد من استفحال وضع ميؤوس منه أصلا، وهي خطوة أولية نحو لبرلة القطاع وزيادة الضغط والتهميش في صفوف الشغيلة التعليمية حتى ينساق الجميع نحو أكذوبة رفع المردودية في التعليم. وقد استبشرت خيرا بتغيير اسم معلم باسم “أستاذ التعليم الإبتدائي”، فهل تغيرت ظروف عمل هذه الفئة؟ إن مصوغة بند إعادة الانتشار التي جاء بها النظام الأساسي مهدت لإقصاء المزيد من الوظائف المالية لسد الخصاص المهول التي تعانيه المؤسسات التعليمية، فالفائض الّذي يتم خلقه كل سنة يتم إعادة تعيينه وبإضافة الساعات التضامنية التي تحولت إلى ساعات مقننة وهكذا يجد عدد لا باس به من الشغيلة التعليمية نفسه في دوامة التنقلات الماراطونية داخل نفس النيابة الشيء الذي يثقل كاهله ويمنعه من الاستقرار. ولا يقل الأمر شأنا عندما يثم التوغل في أعماق القرى البعيدة نعثر على مدارس لا تتوفر فيها أبسط شروط التحصيل العلمي وعنوانها العريض “العزلة والغربة”.

فالمدرس يجد نفسه معزولا وسط بيئة موحشة وهو منقطع عن العالم الخارجي بعدما جاء بثقافة رسمت له أحلاما وردية وبناء المستقبل ليصطدم بواقع حكم عليه بتغيير نظرته والتأقلم مع الظروف، لا عيب في ذلك لكن كيف سيبدأ وحال المكان هناك يقول عفوا لا ماء لا كهرباء ولا بلد في البلد ويحكي آخرون أنهم يقطعون المسافات قد تصل إلى عشرات الكيلومترات على مثن وسائل نقل متهالكة لا يمكن أن تتوفر إلا في أيام الأسواق ومفتقدة للمقاعد، إنها معدة خصيصا للجمع بين البشر والسلع وحتى الماشية مع الطرائف التي قد تحدث والتي يخجل القلم من كتابتها. ولم يعد همهم أيام العمل بقدر ما تهمهم أيام السفر، إن هؤلاء أوفر حظا ممن لازالت أقدامهم الوسيلة الممكنة في غيات مسالك تمكن من الوصول إلى عين المكان بعد ساعات طوال، وقد يركبون البغال أحيانا ونتساءل جميعا عن جحيم طريق الوصول فكيف سيكون مقر العمل؟.

ويجبر أساتذة التعليم الإبتدائي بهده القرى الصعبة مسايرة الوضع الذي ورطوا أنفسهم فيه أم بالأحرى الذي وضعوا فيه لأنه لا يمكن أن نحملهم التهميش الذي يطال هده المناطق، فسياسات الدولة تبعد ساكنة هذه المداشير البعيدة من أيه تنمية وتقربها فقط في الحملات الإنتخابية .

على أية حال البحت عن لقمة العيش تنسي مرارة الظروف وحتى تمر السنة الدراسية بأمان يتكتمون على حالهم والتأقلم وتقديم التنازلات أمام الضغط المفروض عليهم من قبل ساكنة شغلها الشاغل هو مراقبة كل صغيرة وكبيرة في تصرفات نساء ورجال التعليم، إنها ترى فيه رمزا للدولة الذي يجب أن تفرغ فيه غضبها مع تناقض صارخ أن أولياء التلاميذ لا يولون اهتماما لتعليم أبنائهم ويعتبررون المدرسة جسم غريب عن بيئتهم ويتجلي هذا في كثرة غياب أبنائهم وعدم استفسارهم عن أحوالها.

تتحمل الشغيلة التعليمية تبعات الصراعات الحزبية والقبلية التي قد تحدت بالدواوير وهو مجبر على عدم التدخل فيها لكن المدرسة التي يعمل بها تظل معزولة في أماكن بعيدة عن الأهالي والسبب هو عدم التوافق على بنائها في منطقة قريبة وقد تبني عند من له حضرة ومال وجاه مع ما يستتبع دلك من هدر مدرسي .

أما فئة أخرى يقال عنها أوفر حظا تقرب من المراكز الحضرية قليلا تقطع بضع كيلومترات لكن معاناتها تسترعي الانتباه سيما أنها تفضل الاستقرار به لغياب شروط السكن بأماكن التدريس، وبذلك تتحمل تكاليف التنقلات اليومية إضافة إلى المخاطر والصعوبات في المسالك ومن دون تعويضات.

إن هذا الواقع السلبي الذي يعيشه غالبية نساء ورجال التعليم الإبتدائي محكوم أيضا بإرث وماض ثقيل تركته أجيال سابقة كانت تضحي وتتعايش مع محيط يقدر المدرسة والمدرس لما كان التعليم قطاع منتج ويعول عليه في انقاد الأسر من الفقر أما الآن فأفواج المعطلين والمعطلات أفرغته من محتواه وجعلته عرضة للانتقادات التي نالت منها الشغيلة النصيب الأكبر وأصبحت بين مطرقة المجتمع وسندان ضغوطات المسؤولين على قطاع التعليم الذين لم يفوتوا الفرصة للانقضاض على غالبية مكاسبها المادية والمعنوية، فقد حاصرت الترقيات وجعلتها تحث رحمة نظام الكوطا والمشرفين التربويين، ولم تعد تعر اهتماما لشهادات التخرج من المراكز التربوية، وعليه فقرار الترسيم لا يمكن اتخاذه إلا بعد النجاح في امتحان الكفاءة المهنية . لقد وجدت الدولة في نظام التعاقدات وسد الخصاص مع حاملي الشواهد ضالتها لربح المزيد من المناصب المالية فهؤلاء قادرون على العمل في ظروف أشد قتامة وإسكات الأصوات المطالبة بتوفير الموارد البشرية الكافية والاقتناع بأجر زهيد لا يصل إلى ألفي درهم . ولازالت الغالبية العظمى من سكان الجهة على استيعاب مخططات تهدف إلى التنصل من مجانية التعليم وغير قادرة على دفع فاتورة مستلزمات العيش الكريم.

 فجيوبها استنزفت من تزايد أسعار المواد الغذائية ونفقات العلاج بالمستشفيات، وعليها أن تفهم أنه لا يمكن إنجاح العملية التعليمية دون رفع التهميش عن مجمل مناطق سوس مناطق سوس ماسة درعة وتوفير بنية تحتية في كل المجالات والنهوض بأوضاع الشغيلة التعليمية، ويكفي فخرا أن المدرسة هي التي مهدت الطريق لوجود أطر عليا ناجحة في شتى المجالات ، ولهذا بات من الضروري رد الإعتبار للمدرسة العمومية والاستجابة لمطالبها المادية والمعنوية وفي مقدمتها الاعتناء بالمدرسة العمومية برصد ميزانية مهمة في التجهيز، وفتح باب التوظيف لتلبية الخصاص، وتقليص الضغط على المدرس، وصرف التعويضات للعاملين بالوسط القروي، مع إلغاء العمل بنظام الكوطا، والتصريح بالمناصب الشاغرة وعدم التضييق على الحركة الانتقالية .

عزيز الرامي: تـغـيرت نــيوز

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك