الرئيسية » أغراس أغراس » منبر الأحرار »

البادية السوسية والعصبية القبلية، صورة مطابقة لقصيدة الإشبيلي رغم تفاوت الأزمنة

نكذب على الذات باستمرار، ونختبئ داخل ركام عيوبنا الذاتية، حين نتحدث عن تهميش الدولة للعالم القروي، فكيفما كانت الحال، فإن تقهقر الوضع في البوادي السوسية له من الأسباب ما هو موضوعي وما هو ذاتي، ومن عادة الامازيغ كره النقد الذاتي، وهي عادة سيئة جدا، شئنا الاعتراف بها أم أحببنا مقولة “كالقط يحاكي انتفاخا صولة الأسد”.

قبل البحث عن أوجه تقصير الدولة في حق البادية السوسية، أظن أن علينا معالجة عيوبنا الداخلية، فالتاريخ القريب لازال يذكرنا بلفي “تاحكات” و”تاكوزولت” الدمويين، ولازال – مع احترامي للجميع- فقيه الدوار عرضة للأهواء، فبعد تجويعه أو رجم بطنه بطعام رديء يشكل عبئا على صاحبه، ينبري من لم يقرأ يوما آية واحدة للإفتاء في مستوى الرجل العلمي، فـ”الجزولي” و”السوسي” و”الميرغتي” على سبيل المثال ما كان التاريخ ليخلد ذكرهم لو لم يشدوا الرحال الى الحواضر، وقس على ذلك من شئت من أعلام الفقه والأدب في الربوع السوسية.

بين ردهات المحاكم آلاف القضايا، منها ما يقاضي فيها الأخ أخاه، أو الابن أعمامه، ولا تنس عرف حرمان الإناث من الإرث الذي لازال متفشيا للأسف في عهد الحقوق، والأغرب في تلك الملفات ما يرتبط بالصراع حول قطعة صغيرة جدا من الأرض لا تنبت لا زرعا ولا بقولا، مع انتشار سوء حرمة الفتيات والنساء، وتغليف الدعارة بدثار يعريه الواقع، فكم من حالات سفاح تم التستر عليها؟، وكم هي حالات اغتصاب الأطفال؟، ألا تشتهر مناطق بعينها بالظاهرة ولا تزال حديث المجامع؟.

إن أي إصلاح لا ينطلق من الداخل يبقى وهما، وعنتا أجوف، وبالتالي، إن لم تمت النعرات القبلية بفضل تزايد أعداد الطلبة الجامعيين أبناء الربوع السوسية، وإن لم ننقش على الصخر تحدي الصعاب، فلن تنجح أية تنمية بشرية في بوادي سوس، فكل ما في الأمر تحولها إلى وجبات دسمة تصرف في غير ما سطر لها، سيما وأن جل مجالسنا القروية تكاد تجد رئيسها خريج “شهادة ابتدائية” (والله اعلم بمدى صحتها) وبقية الأعضاء صم بكم، نصفهم لا يكتب ولا يقرأ، بل جزء مهم من الأعضاء لا يلجون عتبات الجماعة أصلا.

إن حال باديتنا السوسية للأسف يكاد يتقاطع مع مضامين قصيدة تراثية، للشاعر عبد الحق الإشبيلي، نختم بها هذه الوقفة قصد المقارنة، واستنتاج الفرق بين زمن مضى وزمن الآيباد والإنترنيت:

أعبر  عما  كنت  في  السر  اكتم                  فإن  لسان  الحال   عني   يترجم

بدوت وكنت قدما اعرف حاضرا                وسكنى  البوادي   لا يحل  و يحرم

تكلفت سكناها، وكان  ضرورة                   وفي  باطني  امر به  الله  أعلم

ثويت بها ما بين قوم بيوتهم                         كهوف، وشعاب، وبيت مهدم

حفاة عراة لا يحل جوارهم                        وإن تخبرهم، ليس في القوم مسلم

حقيق على من كان مثواه بينهم                  يلام، ويجلى في البلاد، ويشتم

خيارهم الأشرار منهم، فإن يكن                 لفرعون كفرهم، هم منه أقدم

دللت عليهم، خيب الله سعيهم                 فلا عالم منهم، ولا متعلم

رياضتهم لا تستطاع وإنما                        يحرضهم  سوط  وسجن ومغرم

طواغيت، والطغاة فيهم قديمة                 اذا ما دعوا  للخير عن قصده عموا

ظننت بهم ظنا، وجدت خلافه،              فلا عالم منهم عليه يسلم

كسالى عن التوفيق، صم عن الهدى          وهم  في ضلال غافلون ونوم

لباسهم الزنار، والسحت أكلهم                  صبي بزنار، وشيخ مسلهم

مساجدهم لا تعمر بصلاتهم                     ويعجبهم منها الذي يتهدم

نسوا الله في الدنيا فأعمى قلوبهم               وولى  عليهم من يجور ويظلم

ضيافتهم معروفة لقدومهم                     دجاج وبيض والمدام المحرم

عوائدهم ترك الصلاة، وعندهم                  بأمر النساء الفاجرات تهمم

فقيههم ما يعتنون بأمره                       وإن جاء زفان يعز ويكرم

قرينهم الشيطان حضهم على                ركوب المعاصي، فهو إثم وآثم

شيوخ القرى لا ينصفون إمامهم             وفي أجرة الشرط يجد ويحتم

هم الغافلون الظالمون نفوسهم                فما  خلقت إلا إليهم جهنم

وعهدهم غدر، وودهم قلى                   وأكبرهم سنا مسيء ومظلم

لأنفسهم لا يملكون شفاعة                       فويل لهم مما جنوه وأظلم

يقينا لقد حق العذاب عليهم                ولكن رب العرش يعفو ويكرم

فهذا خطابي للائمة بالقرى                    خطاب نصيح، والموفق يفهم

الرحلة الناصرية، ابو عبد الله محمد بن عبد السلام الناصري، دراسة وتحقيق: المهدي الغالي، الجزء الأول ص.300/301 ، منشورات وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، المغرب، الطبعة 01 /2013 بتصرف.

محمد العمراني/  “تِغِيرْتْ نْيُوزْ” – تيزنيت

مشاركة الخبر مع أصدقائك

تعليقات 4

  1. عبد الله مستبشر: 2014/09/13 1

    لاشك أن السواد الأعظم من قراء هذا المقال ومعه هذه القصيدة المشهورة سيسخى بالكثير من الشكر والإمتنان على الكاتب الفاضل .الأخ العمراني . باعتبار الكلمات والجمل التي تكون منها المقال كلها نابعة من قلب مستشف لجوانب وتلابيب الواقع المعاش في الربوع السوسية .فقط نتمنى ونأمل أن يهتدي المقال والقصيدة إلى قلوب وضمائر لطالما تبجحت وأطنبت في أن أجدادنا الأوائل هم من كان ينشر العلم والأدب في القبائل الأخرى وأنهم كانوا حواتم أزمنتهم في الكرم والإستضافة . والأن أظهر السيد العمراني مشكورأ جزءأ ضئيلأ في حقيقة ماضي القبائل السوسية سواء تعلق الأمر بالعقائد أو العادات أو الأخلاق والتربية .مع الأسف مازلنا نحن الشباب السوسي نحتاج ونفتقر إلى أبحاث تنير دروبنا الثقافية التي مازالت مظلمة وغير ءامنة . ونحتاج أيضأ إلى دليل أو عراب يسلك بنا دهاليز تاريخنا المجهول والمبني على التقدير في أكثر أحواله .

  2. lahcen tighirt: 2014/09/14 2

    في الحقيقة مقال رائع اعطي صورة حقيقية لمنطقة سوس
    وانا اري ان بوادي سوس مازالت تعيش الي الان علي هذا المنوال للاسف

  3. LMAHFOUD: 2014/09/18 3

    للأسف هذا هو حال اغلب القرى الأمازيغية في المغرب …. والعاقل يتسائل أوليس هؤلاء المغاربة احق بتلك المساعدات ” التي يوزعها المغرب على بلدان أخرى ” من غيرهم ؟ … فمن يسمع بتلك المساعدات والملايير التي يرسلها المغرب يظن ان المغاربة يعيشون في رفاهية وفي راحة وسعادة منقطعة النظير … لكن في الواقع الحال كما ترون …. للأسف .

  4. امينة البشري: 2014/09/18 4

    مقال جد رائع وموضوعي، شكرا سي العمراني، شكرا تغيرت نيوز.

أكتب تعليقك