الرئيسية » أغراس أغراس » منبر الأحرار »

مغتربون في وطنهم

العربي بوعسرةإن من تلتقط أذناه كلمة “الغربة” أو “الإغتراب”، يذهب بتفكيره مباشرة إلى ذاك الإحساس المتغلغل بوجدان تلك الفئة المهاجرة من بلدانها الأصلية إلى بلدان أخرى مستقبلة، أولائك المغادرين إما طواعية أو مرغمين، بحكم الدوافع والأسباب التي دفعتهم للهجرة، إما للعمل والبحث عن فرص أفضل للعيش أو للدراسة، إلا أنه من هذا المنظور ليس إلا وجها من أوجه الهجرة ونتيجة من نتائجها المباشرة لا أكثر.

غير أن الكثير من الناس على كثرتهم يعيشون حالة مغايرة من الإحساس بالإغتراب، تتجاوز الحالة الأولى في مختلف المناحي، إنه الإغتراب في الوطن بكل ما تحمله الكلمة من معنى، نعيشه يوميا بعد أن أرسى قواعده بدواخلنا، يضيق علينا الخناق أينما حللنا وارتحلنا، كيف لا وأننا لا نتمتع بحقوقنا المشروعة فوق أرضنا وأرض أجدادنا الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجله.

وما الإغتراب إلا نتيجة حتمية للإستلاب المستنزف لكل ما يملكه وما يمكن أن يملكه الأشخاص المهدورة حقوقهم، والمستنزف لقدراتهم في الحلم بمستقبل أفضل، متجاوزا كل الحدود إلى اجتثاث ما تبقى من الأمل بدواخل الإنسان المغلوب على أمره، فنيران الإغتراب المشتعلة والمتزايدة شدتها يوما بعد يوم توقدها ولاعة أولائك الممتدة والمتطاولة أياديهم على حقوق غيرهم.

إن أول ما اغتصب فيه الإنسان المغربي المقهور، هويته التي هي لب كينونته، فبدونها لا معنى لوجوده الفيزيقي، بدءا باقتلاعه من أرضه وموقعه الجغرافي، وهو الوعاء المحتضن لكل المكونات الهوياتية الأخرى، مرورا بطمس ذاكرته التاريخية وشحنه بأكاذيب مصنوعة ومفبركة مكانها، ثم بتزييف ثقافته ولغته، دائما عن طريق اَلية الطمس والفبركة، فوصولا إلى حرمانه من حقوقه كالمساواة والعدالة الإجتماعية والحرية وغيرها من الحقوق المشتركة.

وعطفا على ما سبق غلق كل المنافذ والأبواب في وجهه المواطن المقهور، تلك التي قد تلوّح له من خلالها فرص من شأنها أن تمهد له الطريق لغد أفضل يحمل معه سعادته وبهجته، فعلى سبيل المثال لا الحصر ما يتعلق بفرص الشغل، فلا هم وفروها ولا هيئوا للمواطنين أرضية تمكنهم من صنع فرصهم في الحياة عموما وداخل سوق الشغل خاصة، بل إنهم عاملون على درء وغلق كمل الفوهات والبواثق التي قد تأتي من خلالها رياح الأمل  لهذه الفئة المنهكة بسهام الغدر الآتية من مّن يحسبون من الأهل وساكني البيت المشترك.  

بقلم: العربي بوعسرة / “تِغِيرْتْ نْيُوزْ”

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك