الرئيسية » أغراس أغراس » كلشي باين »

سوس … تهافت الدولة والأحزاب وسؤال البديل

مرة أخرى، يكون هذا “الويكاند” السياسي ساخناً في سوس، مما يفرض علينا المزيد من المتابعة والتحليل، لا شك أننا دخلنا زمن التحضيرات، وهو زمن الرهانات بامتياز، في إطار ضبط آلة التحكم من بعيد ومن قريب، في أفق الاستعداد لمرحلة سياسية جديدة، يكون عنوانها الأساسي، إعادة الترتيب.
ما يهمنا هو تشريح الأحداث التي وقعت في سوس خلال نهاية هذا الأسبوع.

وإلى أي حد يُمكن اعتبار أن الدولة تراهن على سوس وعلى نخب سوس في المرحلة المقبلة؟ من أجل تقليم أظافر حزب الإخوان المسلمين انتخابياً وتحجيم امتداده سياسيا وشعبيا، دون المساس بجوهر اللعبة السياسية، يعني الاحتفاظ بالخطة والتكتيك وتغيير بعض العناصر والوجوه، في إطار ما يسمى تغيير العنصر لا تغيير الموقع.

أولا هذا التحليل الذي نقترحه، ها هنا يستحضر بقوة ما يقع في الجزائر من حراك ومن اعتقال لوزراء سابقين ورؤساء الحكومة.

نعود إلى سوس، ونطرح الأحداث حسب أهميتها:

منع محاضرة للحقوقية خديجة الرياضي، رئيسة سابقة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ومحاصرة مقر جمعية أنامور( جمعية أمازيغية نشيطة ومزدهرة في تيزنيت) التي كانت ستلقى فيه المحاضرة بإنزال الشرطة والقوات المساعدة لمنع الولوج إلى قاعة الجمعية. وخديجة الرياضي مزدادة في منطقة إغرم بإقليم تارودانت، وهي من نخب سوس المعاصرة، ومعروفة دولياً ووطنياً بنضالها المستميت وبقوة مواقفها، وهي مهندسة تنتمي إلى حزب النهج الديموقراطي … وتنحدر من أسرة مقاومة في سوس، إلا أن انتمائها لليسار الجدري منذ أن كانت طالبة، جعلها لا تبالي كثيرا بالحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية، بفعل الثقل الإيديولوجي للعروبة على جل اليساريين المغاربة، وإيمانهم القوي بالقومية العربية … مع العلم أن خديجة الرياضي بدأت مؤخراً تنفتح على المطالب الأمازيغية وخطاب الحركة على الأقل منذ حركة 20 فبراير وتصاعد مد الأمازيغ في المشهد السياسي وفي الحركة الاحتجاجية داخل الشارع وتزعمها لحراك الريف .. ولازالت الحركة الأمازيغية تراهن على خديجة الرياضي للانفتاح أكثر على خطاب الحركة الأمازيغية ومطالبها، لا سيما أن لها تجربة كبيرة في ميدان حقوق الإنسان دوليا ووطنيا، وهو الميدان الذي لا زال ضعيفاً لدى الحركة الأمازيغية.

اجتماع اللجنة التحضيرية لمؤتمر حزب الأصالة والمعاصرة في مدينة الدشيرة، بقيادة تيار المستقبل الذي يقوده المحام عبداللطيف وهبي( يساري سابق، كان في الشبيبة الاتحادية، ثم حزب الطليعة)، نائب برلماني عن إقليم تارودانت باسم الأصالة المعاصرة، بعد انتصار قضائي على الأمين العام حكيم بنشماش، (يساري سابق من الريف) بصدور حكم في المحكمة لفائدة تيار المستقبل بشرعية عقد اجتماع اللجنة التحضيرية، الذي يرفضه بنشماش ويعتبره غير قانوني. (الدولة سمحت لوهبي بعقد اجتماع حزبي في أكادير ومنعت الرياضي لإلقاء ندوة في تيزنيت، وكلاهما ينحدران من إقليم تارودانت ومن نفس الدائرة الانتخابية) لن ندخل في متاهات الصراع الداخلي للبام، وإنما نريد لفت الانتباه إلى أهمية عقد هذا الاجتماع في سوس، بالرغم من انتماء أخشيشن (يساري سابق) لتيار المستقبل وهو رئيس جهة مراكش آسفي، وترأس سمير كودار للجنة التحضيرية وهو من مراكش أيضا، وكذلك فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، وهي الأخرى من مراكش … يعني اختيار سوس له أهمية، ورمزية ويحمل رسالة سياسية

اجتماع ومؤتمر إقليمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، بمدينة أيت ملول، نفس الإقليم الذي نظم فيه البام اجتماعه، وهو إقليم إنزݣان أيت ملول، التي تهيمن عليه العدالة والتنمية بالكامل، تسيطر بأغلبية مطلقة على جميع جماعاته الترابية (إنزكان، أيت ملول، الدشيرة، الدرارݣة، القليعة …) وعلى مجلسه الإقليمي، وحتى مجلس الجهة، بالرغم من أن الرئاسة سلَّموها للأحرار بضغط من أمين العام السابق بنكيران … وهذا الاجتماع الذي نظمه الأحرار بحضور وازن، يظهر عليه طابع التسويق السياسي ونوع من البروز والدعاية قبل الأوان، وهي مظاهر ينشغل بها الحزب مؤخرا وتدخل في طريقة اشتغاله وفق سياسة تواصلية، وهي لا تعكس بالضرورة تغلغل الحزب وسط الجماهير ووسط المجتمع

إذا تأكد فعلاً، أن عبد اللطيف وهبي هو من يتزعم تيار المستقبل داخل البام، ونجح هذا التيار في عقد المؤتمر الرابع للحزب، وإزاحة بنشماش وتياره الذي يمثله العربي المحرشي، وهو تيار محسوب على الريف، وانتخب عبداللطيف وهبي أمينا عاما لحزب الأصالة والمعاصرة، (بالرغم من أنه لم يحسم أي شيء، وطبيعة الحزب لا تساعد على التنبؤ بما سيقع)، إلا أنه يظهر بعد اجتماع أكادير، أن الحزب يريد أن يعطي إشارات أنه يعيش مخاض ولادة جديدة، ويريد أن يتخلص من بعض سلبيات التجربة السابقة، إذا تأكد ذلك، سيكون وهبي هو ثالث آمين عام حزب، بعد العثماني وأخنوش، وكلها أحزاب في المقدمة، البيجدي احتل المرتبة الأولى والبام ثانياً، والأحرار الذي يقود الأغلبية الحكومية بتسييره لقطاعات مهمة، يطمح الآن الوصول إلى المرتبة الأولى لترأس الحكومة المقبلة.

إذن لماذا الرهان على سوس؟

في المجمل، السوسيون لا يبادرون بالزعامة والقيادة، على الأقل منذ فترة السعديين، حيث بادر صلحاء سوس إلى استقطاب قيادة سياسية من تاݣمادارت بوادي درا/درعة لقيادة الجهاد والحركة السياسة التي أعطت دولة السعديين، وكانت مناورة سياسية بإعطاء رمزية الشرفاء للقيادة السياسية، بعد فهم صلحاء سوس الجزوليين للمكر السياسي للمخزن المريني والوطاسي فيما بعد، وآخر خطة سياسية قام بها السوسيون بدفع أحمد الهيبة للزحف نحو مراكش سنة 1912، بعد تأسيسهم لحركة سياسية ذات نفس إصلاحي مؤسسة على الجهاد، كانت تحكم كل مناطق الجنوب والصحراء، ولولا غباء أحمد الهيبة وضعف تكوينه السياسي ودهاء الباشا الكلاوي لكان التاريخ اتخذ اتجاه آخر بعد سيطرة أهل سوس واحمد الهيبة على مراكش، ولكن دهاء الباشا الكلاوي جعل الحركة تنتحر في سيدي بوعثمان في رمشة عين بمدافع فرنسا…ولم تصل حركة السوسيين إلى فاس كما حصل عند السعديين في القرن 16.

حين شعر السوسيون بضعف المخزن وزحف فرنسا على البلاد، وضعوا احمد الهيبة على رأس الحركة السياسية التي طالبت بالحكم، وكان العلماء والصلحاء السوسيون في غرفة القيادة، ولم يظهروا في الواجهة، وعلى رأسهم نذكر الحاج الحبيب التانلتي…وآخرون..

اندحار حركة أحمد الهيبة، وهروبه من مراكش، وتشتت صفوف أتباعه ومناصريه في جبال سوس، ولد عقدة سياسية لدى أهل سوس، بالرغم من أن نفور نخب سوس من الزعامة السياسية، وانغماسهم في التبحر في الفقه والدين، يتطلب اللجوء إلى علم النفس التاريخي لفهم هذه العقد المركبة في ذهنية علماء ورجال المعرفة في سوس، ولعل تنازل وتخلي المختار السوسي عن قيادة حزب الاستقلال لنموذج ناصع على هذه الخطاطة، مع العلم أنه هو المؤسس الفعلي له.. وهو الأمر الذي يفسر دخول رجالات ونخب سوس مباشرة بعد الاستقلال إلى تيارات وأحزاب سياسية معارضة، أكثر من ذلك فتجار وعمال سوس مولوا حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي تزعمه عبدالله إبراهيم، ثم الاتحاد الاشتراكي وصمدوا داخله طيلة زمن المعارضة، وتخلوا عنه حين دخل في صفقة التناوب، ليتجهوا إلى صوب العدالة والتنمية، ليس حبا في الإسلاميين والإخوان وإنما التعبير السياسي للعقلية السوسية يتجه في الغالب لاختيار المعارضة، بالرغم من أن جل بلديات المدن في سوس كانت تصوت للاتحاد سنوات وعقود، وبعد دخول الحزب إلى الأغلبية الحكومية، عاقبوه بأشد المعارضين له ايدولوجياً وفكرياً، وهو حزب العدالة والتنمية

صراع سوس مع المخزن، هو صراع قديم، ولكن الآن يظهر كأنه لعبة خفية، المخزن عبر التاريخ يحلم دائما ببسط نفوذه على سوس، هو أغنى المناطق وأخصبها، بقدر ما يسعى المخزن إلى أكل سوس، بقدر ما يحتاج إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من السوسيين، لأن سوس ليست أرض الخير والثروة والينابيع والمعادن … وإنما هي مشتل الأفكار السياسية، والبدائل والمشاريع السياسية … التي تنبثق خارج بنية السلطة، وبعيداً عن تكتيكات المخزن، وجوهر البديل وماهيته هو أن يفرزه المجتمع للإجابة عن حاجة اجتماعية، وليس أن ينزل من الفوق

طبعا نستحضر المنهج التاريخاني في تحليلنا لرهانات الدولة الحالية وأحزابها، ولا نعمد على طرح مقارنات مع الفترات السابقة، في تغييب لبنية التحول الذي نعيشه في إطار دولة وطنية حديثة، ولكن الواقع هو أن هذه الدولة الحديثة تقوم بنفس الوظائف التقليدية التي كان يقوم بها المخزن قديما في تعامله مع القبائل ورجال الزوايا والأعيان والقياد، الآن الدولة تقوم به مع الأحزاب والنقابات

سوس حاليا يعيش انتفاضة صامتة، انتفاضة فجرتها سياسة انتزاع الأرضي التي تتزعمها الدولة، مما جعل ساكنة سوس تنظم مسيرات في الشوارع في أغلب مدن المغرب من الرباط والبيضاء إلى أكادير وتيزنيت … وستزداد حدة هذه التوترات مع تزايد وارتفاع عدد المناجم في القرى وجبال سوس … وتتزعم هذه الانتفاضات طليعة من النخب والشباب المنتمين للحركة الأمازيغية على شكل تنسيقيات كتنسيقية أكال المنتشرة في مناطق مختلفة وجمعيات وتجمعات محلية، ويظهر بكل جلاء أن الحركة الأمازيغية هي الوحيدة التي تفهم قيمة قضية الأرض، لأنها تأتي على رأس أولويات مطالبها، كما أن ماهية أكال هي أساس وفلسفة الخطاب الأمازيغي وكينونة الوجود لجميع الأمازيغ في العالم، ولن تستطع الأحزاب بشتى تلاوينها تبني قضية الأرض لأنها لا تفهمها أصلا، ولا تدرك معنى النضال من أجل الأرض … لكن هذه التنظيمات الأمازيغية التي تتحرك خارج البنية المخزنية وخارج البنية الحزبية، تتعرض للتآكل مع مرور الزمن بفعل مضايقات السلطة، ونزوعات الأحزاب التي تسعى إلى احتواء بعض مطالب الحركة الأمازيغية وتصريفها في قالب انتخابي صرف بإيعاز من الدولة التي تدفع بقيادات سياسية ذات أصول أمازيغية لترأس أحزاب في مقدمة المشهد السياسي، لاستقطاب الشباب الأمازيغي وجعله على واجهتها …. لتزيف الواقع الحقيقي الذي يتسم بمنع ومحاصرة المشروع السياسي الأمازيغي

دروس حراك الريف يجب أن تستفيد منها الدولة، ولا يمكن تكرار نفس الخطة في سوس .. فلابد أن يتم فتح المجال أمام الشعب ليبلور بدائله وأفكاره … فليس من المنطقي أن يتم إنزال النخب السياسية من الرباط إلى أكادير ومن الرباط إلى الحسيمة، لتجميع الناس في قاعات الحفلات وتكريس المسرحة

كما ينبغي للحركة الأمازيغية وشبابها ونخبها أن تحاول إدراك المرحلة السياسية الدقيقة التي يعيشها المغرب، عن طريق المواكبة المعرفية للنضال الميداني لتجويد الخطاب والرقي بالأفكار والبدائل … دون نسيان الانفتاح على المحيط والبحث عن حلفاء وتقريب وجهات النظر، لوقف مد الإسلاميين الذي يتغذى من التخلف الفكري أولا ومن الاستبداد السياسي ثانيا..

إن منع السلطة للحقوقية السوسية خديجة الرياضي ابنة قبائل ايداوكنسوس للمحاضرة داخل جمعية أنامور الأمازيغية في تيزنيت، يجب أن يكون حدثا تمهيديا للتفكير في أفق سياسي جديد

يكتبه الصحفي والكاتب الإعلامي: عبد الله بوشطارت

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك