الرئيسية » أغراس أغراس » كلشي باين »

منع الحجز على أموال الدولة … رسالة سیئة وسلبیة ضد حكم القضاء وسیادة القانون

عبد الحق بلشكر (اليوم24)

أیة رسالة ترید الحكومة تبلیغها للمواطنين والمقاولات من وراء التنصیص، في مشروع قانون المالیة 2020، على منع الحجز على ممتلكات الدولة من أجل تنفيذ أحكام القضاء؟ إذا جرى تمریر هذا الإجراء، فإنه یعني أن كل مواطن أو صاحب مقاولة وطنیة أو أجنبية
له نزاع مع الدولة أو الجماعات المحلیة أو إحدى المؤسسات العمومية، في ملفات تتعلق، مثلا، بنزع الملكية أو عدم أداء مستحقات صفقات عمومية، وصدر لصالحه حكم قضائي نهائي بالحصول على مستحقاته، وامتنعت مصالح الدولة عن تنفيذه، فإنه لن یجد طریقا
للحصول على حقه باللجوء إلى مسطرة الحجز على أموال الدولة، وهو ما یعني الضرب بأحكام القضاء عرض الحائط وجعل الدولة فوق حكم القانون.

إنها رسالة سیئة وغیر مطمئنة، تعارض شعارات دولة الحق والقانون، وتعطي الانطباع بأن الدولة لها امتیاز یجعلها فوق سلطة القانون، لذلك، انتفض الجسم الحقوقي والقضائي والمحامون، وحتى البرلمانیون، ضد هذا الإجراء. فماذا جاء في نص المادة 9 من مشروع قانون
المالیة المثیرة للجدل، وهي بالمناسبة مادة سبق أن جرت محاولات لتسریبها في قوانین مالیة سابقة، وجرى التراجع عن ذلك بعد الانتقادات الحادة التي وجهت إلیها؟.

تنص هذه المادة على أنه «في حال صدور قرار قضائي نهائي اكتسب قوة الشيء المقضي به یدین الدولة بأداء مبلغ معین، یتعین الأمر بصرفه داخل أجل أقصاه ستون یوما ابتداء من تاریخ تبلیغ القرار القضائي في حدود الاعتمادات المالیة المفتوحة بالميزانية، وأنه یتعین
على الآمرين بالصرف إدراج الاعتمادات اللازمة لتنفيذ الأحكام القضائية في حدود الإمكانيات المتاحة بمزاناهم، وإذا أدرجت النفقة في اعتمادات تبین أنها غیر كافیة، عندئذ ینفَّذ الحكم القضائي عبر الأمر بصرف المبلغ المعین في حدود الاعتمادات المتوفرة بالمزابنة، على أن یقوم الآمر بالصرف باتخاذ كل التدابير الضروریة لتوفیر الاعتمادات اللازمة لأداء المبلغ المتبقي في میزانیات السنوات اللاحقة. غیر أنه لا یمكن، بأي حال من الأحوال، أن تخضع أموال وممتلكات الدولة للحجز لهذه الغایة».

من خلال هذه المادة یتضح أمران؛ الأول أن من صدر لصالحه حكم ضد الدولة بأداء مبالغ یستحقها، فإن حصوله على حقه رهین بالاعتمادات المرصودة في المیزانیة، وإذا لم تتوفر تلك الاعتمادات، فما علیه سوى الانتظار، وقد تمر عدة سنوات دون أن یحصل على حقوقه بعدما قضى سنوات بین ردهات المحاكم. ثانیا، لا یمكن المتضرر أن یلجأ إلى مسطرة الحجز على ممتلكات وأموال الدولة لتنفيذ حكم القضاء لصالحه.

لكن، كیف تبرر الحكومة هذا الإجراء؟ محمد بنشعبون، وزیر المالیة، دافع عن إدراج هذا الإجراء في مشروع قانون المالیة مقدما مبررین؛ الأول، هو ضرورة الحفاظ على التوازنات المالیة للدولة والجماعات المحلیة والمؤسسات العمومیة، لأنه، خلال الثلاث سنوات
الماضیة، بلغ حجم عملیات الحجز على أموال الدولة من أجل تتنفذ أحكام قضائية مبلغا كبیراً یناهز 10 ملاییر درهم خلال ثلاث سنوات، وهو ما من شأنه أن یهدد هذه التوازنات. ثانیا، ضرورة الحرص على استمرار المرفق العام في أداء الخدمات المقدمة للمواطنین، لأن
من شأن الحجز على أموال الدولة توقیف صرف أجور الموظفين والمساس بمیزانیة المستشفیات”.

ویلاحظ أن وزیر المالیة اختار أجور الموظفين ومیزانیة المستشفیات لإحراج البرلمانیین قائلا لهم «هل تقبلون، یا ممثلي الأمة، أن یقع الحجز على أجور الموظفين أو على میزانیة مستشفى وتتوقف عملیة علاج المرضى؟». هذا رغم أن الحجز یمكن أن یُطال المال الخاص للدولة، ولیس بالضرورة ذلك المرتبط بتسییر مرافق عمومية أو الأجور. ولكي یقنع الوزير أعضاء لجنة المالیة في مجلس النواب، قال لهم إن دولا مثلا فرنسا وبلجيكا وكندا وسويسرا تمنع الحجز على ممتلكات وأموال الدولة من أجل تتنفذ أحكام القضاء، دون أن یكشف لهم الإجراءات التي تتخذها هذه الدول من أجل ضمان تتنفذ أحكام القضاء واحترام سلطة القانون.

صحیح أن العدید من القرارات صدرت عن المحاكم الإدارية بالمغرب ضد الدولة، بلغت قیمتها سنة 2018 أزید من 3 ملاییر درهم، منها أزید من 2 ملیار درهم صدرت عن إداریة الرباط وحدها، لكن، لا بد من التذكیر بأن رئیس المحكمة الإدارية بالرباط سبق أن أبرم
اتفاقیات حبیة مع عدد من مؤسسات الدولة وجماعات ترابیة من أجل جدولة تتنفذ أحكام القضاء لتسهيل رفع الحجز، لكن العدید من الإدارات لم تلتزم بالاتفاق، ما دفع المحكمة إلى العودة لاتخاذ قرارات الحجز ضمانا للحقوق.

من جهة أخرى، لم تتخذ الحكومة أي إجراءات لمعالجة إشكالية القرارات الإدارية التي تتسبب في إثقال كاهل الإدارة بالأحكام والمبالغ الباهظة، وهي قرارات تكون أحیانا مشوبة بالشطط أو التواطؤ. فما هي مسؤولیة رئیس الجماعة أو مدیر المؤسسة العمومیة الذي یمتنع
عن أداء مستحقات مقاولة نفذت صفقة ویتسبب في صدور هذه الأحكام؟ وما مسؤولیة من یتخذ قرار نزع ملكیة أرض دون تعویض مستحقیها في أجل معقول؟ وما مسؤولیة الإدارة التي تهمل المنازعات ولا تستبق صدور الأحكام بالبحث عن تسویات؟ هذه هي الأسئلة
التي یجب على البرلمانیین والحكومة إیجاد جواب لها، ولیس البحث عن الحلول السهلة التي تبعث رسائل سلبیة ضد حكم القضاء وسیادة القانون.

مشاركة الخبر مع أصدقائك

تعليق واحد

  1. مجاطي: 2019/11/08 1

    هدية من ذهب

    عوض ان تتجه حكومة العدالة والتنمية نحو محاربة الفساد وإرجاع تقة المواطن في القضاء ..هاهي تدفع المواطن والشركات …نحو الخضوع لابتزاز الامرين بالصرف ..بالاختباء في عدم كفاية الاعتمادات المالية لجر المعنيين للدخول معهم في صفقات تحت الطاولة لتنفيد الأحكام …
    ونعتقد حل مشكل تراكم الأحكام ضد الدولة يكمن في الضرب بيد من حديد ضد المتواطءين والمقصرين من الموظفين في مصالح المنازعات والمسؤولين المباشرين والخبراء .. في الدفاع عن حقووق الدولة .. سالم ان القاضي لا يمكن إلا لت يصدر أحكامه إلا بناء على القانون والوثائق الموجودة في الملف ..وغالبا ما يقع تواطؤ بين المعنيين بالدفاع عن حقوق الدولة والخصوم ليصدر الحكم لصالح الخصم .
    وتسعى الحكومة الآن إلى تحميل المسؤولية للمستضعفين وجرهم الى شباك الانتهازيين .

أكتب تعليقك