الرئيسية » أغراس أغراس »

البرلماني السابق “محمد عصام” يكتب “لّي مَا كَـتْقْتْلْ كتْسْمْنْ”

عرف عن المغاربة إيمانهم السخي بالقدر، إلى درجة انهم يعتبرون كل مصيبة تصيبهم دون أن تهلكهم بمثابة الغنيمة، التي يتوجب حمد الله عليها آناء الليل وأطراف النهار. فكانوا يقولون “غير تفوت الراس ماكاين باس” ولهذا اعتبروا كل مصيبة لا تقتل فإنها بالضرورة تقوي أو على حد تعبيرهم “للي ما تْقْتْلْ راها كتْسمَّن”، إمعانا في إظهار يقينهم بالله وبقدره، ولكن أيضاً تعبيرا عن إيجابياتهم وتحويلهم المحن إلى منح، والنقم  إلى نعم. وهو سلوك صقله تراكم التجارب التاريخية التي سبكوها حكما جارية، وأمثالا  محفوظة.

وفي السياسة كما في غيرها، تقع كثير من حوادث السير غير المنتظرة، منها ما يسبب في إصابات تتفاوت  خطورتها ومنها ما يقتل. ولكن اللبيب هو من يحوِّل النكسات إلى انتصارات، والهزائم إلى فتوحات. ونحن نتأمَّل الأزمة الطارئة بين دول الجوار الخليجي ذات المشترك الجماعي الممتد إلى ما لا نهاية، والعميق إلى درجة الرسوخ. لا نشك لحظة واحدة، أن ما يقع الآن من قبيل ما قالوا عنه أجدادنا “للي ما كتقتل ما كتسمَّن” إنها حادثة سير بسيطة جراء عدم انتباه طفيف وطارئ  من وراء مقود القيادة، ساهمت فيه بشكل جلي رياح الطقس الدولي، وتردد الضباب الإقليمي، مما اثر على الرؤية وشوَّش على السير.ISSAM

في جدول أعمال الديبلوماسية كثير من قشور الموز، يؤدي عدم ضبط مواقع الخطوات بدقة إلى فقدان التوازن ولكن ليس بالضرورة إلى السقوط. بلغة أخرى أن  الإشكالات الطارئة على أجندات المصالح التي تشكل القوت الأساسي لبناء المواقف في العلاقات الدولية، لا يمكن أن تؤثر على المنافع الاستراتيجية الكبرى في أي مجال إقليمي، يراد له الاستقرار وانسياب المصالح المترتبة عليه على المستوى الاقتصادي أو السياسي بشكل سلس.

وأكيد أن العين لن تخطأ أن العقبة الكؤود التي تسببت في إفقاد محرك عربة العلاقات الخليجية قوة الدفع، هي الموقف من جماعة الإخوان المسلمين. ولهذا لا نحتاج أن نؤكد أنه كيفما كانت مواقف هذا الطرف أو ذاك، فإننا على كل حال أمام أزمة داخلية صرفة تهم فقط شركاء الوطن من أهل الكنانة لوحدهم، مع التسليم أن لا احد منهم يملك لوحده الحقيقة، وأن ارض التعايش واسعة لدرجة استيعاب الجميع عبر آليات  الحوار والرضوخ لإرادة المواطنين المعبر عنها من خلال شفافية صناديق الاقتراع.

من جهة أخرى لا يمنعنا هذا من الانتباه إلى أن طقسا دوليا يتم إنتاجه بعيدا عنا ومنذ مدة، لتوريط المنطقة برمتها في تجاذبات داخلية، تفضي في كثير من الأحيان إلى احتراب الأشقاء تجسيدا لنبوءة رامسفيلد حول الفوضى الخلاقة. وعليه فبعد التأكيد على أن أمر الجماعة شأن داخلي بامتياز، لابد من تمحيص الدفع بدعوى انتماء الجماعة لقيم الإرهاب وإنتاج مسلكيات الاستئصال، لنقول (وبالله التوفيق) إن تنظيم الإخوان الذي راكم أزيد من ثمانين سنة من التواجد الفعلي في حضن الشعب المصري بكل فئاته، ملازما له في تموجاته، منافحا  عنه في قضايا المواطنة والديموقراطية.

إنه ذات التنظيم الذي لازمته لعنة “الجماعة المحظورة” على مدى ثلاث أجيال كاملة، وكأن الذين مروا من سدة الحكم طيلة هذا العمر ورغم اختلافاتهم البينة، يوحدهم جميعا الانتماء لحزب واحد اسمه “من أجل جماعة الإخوان جماعةً محظورةً إلى الأبد” إنها عقيدة ترسخت في سياق خاص أظن أن دواعي ومبررات وجودها لم تعد قائمة بالمطلق، لأننا بوعي أو بدونه دلفنا إلى مرحلة التحول بنكهة الديموقراطية التي لا مجال فيها  لطعم  الكباب أو نقع الإرهاب.

لقد أكدت الجماعة عبر مسيرتها التاريخية، أنها تمتلك قدرة هائلة على بناء نسق متجدد من العقائد ينسجم مع السياقات المحيطة، مستحضرا مصلحة الشعب المصري، وانتقلت من مجرد محضن للتربية وإعادة الارتباط بقيم الأمة وكسبها التاريخي، إلى مشروع سياسي ينافح عن التعددية ويؤمن بالديموقراطية ويؤدي الضرائب عن قناعاته بسخاء حاتمي. قد نتفق أو نختلف في مقاربة مرحلة تدبير الإخوان للشأن العام المصري،  ولكن أبدا لن نقبل بجعل أخطائهم جسرا للعبور نحو صحراء الاستبداد أو قناةً لإنتاج خطاب النكوص والردة.

في سياق مثل هذا، من المطلوب التأكيد أن خياراتنا للإقلاع نحو محطات التحول كثيرة ومتنوعة. وأننا على ضفاف المحيط وبين قباب القرويين ومآذن حسان والكتيبة لنا نسيم خاص، وظل وارف من نعيم الاستقرار، لسنا مستعدين أن نفتح نوافذنا ليهب علينا لفيح قادم من أي صحراء  كانت. وإن كنا نعتقد أن ضباب اللحظة لن يحجب عن أشقائنا رؤية أفق تصنعه سواعد شعوبنا وعقول نخبنا متى رحب صدرنا ليسعنا جميعا، حتى لا نختنق بنقع غبار معارك ليست معاركنا حينئذ فقط سنتقوى مصداقا لقولهم  “للي ما تقتل راها كتسمَّن”.

محمد عصام: النائب البرلماني السابق عن دائرة “سيدي إفني”

مشاركة الخبر مع أصدقائك

تعليق واحد

  1. احمد: 2014/03/19 1

    وددنا لوان ممثلوا المجتمع المغربي في البرلمان كلهم في مستواك .

أكتب تعليقك