تغيرت نيوز
تشهد مدينة تيزنيت هذه الأيام تنظيم مهرجان المراعي الذي ينظم في إطار المعرض الوطني للمراعي في دورته الثالثة. وهي مناسبة كي نتحدث عن الإشكاليات الحقيقية التي تعتري هذه المهرجانات وتجعلها عاجزة عن تحقيق إشعاع فني وثقافي شأنها في ذلك شأن جميع المهرجانات المنظمة في منطقة سوس. إن هذه المشاكل المتعددة نتيجة لغياب منطق الديمقراطية في البرمجة والتنظيم وسيادة منطق الريع والحكرة والزبونية والاسترزاق السياسي، مما يؤدي حتما إلى تهميش الطاقات المحلية والقضاء بالتالي على الإشعاع الفني والثقافي لمدن سوس بشكل عام.
ارتأيت اليوم أن أضع بعض الملح على جرح يؤلمنا جميعا، جرح يجعلنا نتأمل هذا الواقع الأليم الذي تعيشه الساحة الفنية في تيزنيت والجهة. والواجب يحتم على جميع الفنانين أن يواجهوا هذا الواقع المزري بعزم وشجاعة إلى أن تستعيد مدينتنا وجهتنا وهجها الفني وإشعاعها الثقافي المعهود. ومن موقعي كفنان ومنشط أمازيغي مغربي ابن المدينة والجهة، ادين جميع أشكال الريع والحكرة التي تنخر الوضع الفني المحلي والجهوي وأدعو الجميع إلى معالجتها لإنقاذ ماء وجه مدينتنا وجهتنا ولغتنا واستعادة وضعنا الاعتباري. وألخص هذه المشاكل فيما يلي:
أولا: إن المهرجانات المحلية والجهوية باعتبارها مهرجانات وطنية، يجب أن تلعب دورها في التعريف بمدينة تيزنيت وبجهة سوس وتشجيع كفاءاتها المحلية. لكن واقع الأمر يقول غير ذلك، فمن منطلق تجربتي في الميدان، فإني ألاحظ وجود نزعة إقصائية تجاه الفنان المحلي الذي يعاني تهميشا منهجيا وحصارا خانقا يستحيل معه الحفاظ على عطاءه الفني. إن هذه الحكرة وصمة عار على منظمي هذه المهرجانات الذين يعانون من عقدة الأجنبي أو الغير منتمي للجهة ونزوعا مفضوحا لاحتقار الفنان المحلي. لكم فقط أن تتصوروا أن الكثير من الفنانين والطاقات المحلية في مختلف المجالات لا توجه لهم الدعوة أصلا للحضور إلى المهرجان ناهيك عن المشاركة في حدث فني كبير ينظم في مدينتهم.
إن الكثير من هؤلاء يتم إقصاءهم من البرمجة والتنظيم والتنشيط ويتعرضون للإبعاد بشكل أو بآخر. وفي أحسن الحالات، يستدعون فقط لتأثيث المشهد ويتم التعامل معهم بتمييز مفضوح. فما معنى المبالغة في إشراك الفنانين غير الأمازيغ والنفخ في تعويضاتهم وتكريمهم الزائد عن اللزوم، في الوقت الذي نجعل من الفنانين الأمازيغ كومبارس في مسرحيات تافهة تسمى مهرجانات. إن هذا الواقع الأليم لا يخدم الفن والثقافة الأمازيغية، بل يقضي تلقائيا على كل أمل في النهوض بالفن والفنانين والدفع بهم نحو المزيد من الإبداع والعطاء.
ثانيا: ومن مظاهر البؤس في واقعنا الفني الأمازيغي سيادة منطق الكليكات أو لوبي المصالح الضيقة، الذين يسيطرون على المهرجانات المحلية في جو تغيب فيه الديمقراطية والشفافية في البرمجة والتنظيم. إن منطق المحسوبية والزبوبية الواسع الانتشار يضرب في العمق مبدأ المساواة، كما يغيب عن المشهد كفاءات غيورة على الميدان، وبالتالي و مع مرور الوقت يرحل من يرحل ويستشري التصحر الفني والثقافي الذي نعاني منه جميعا منذ اليوم.
إننا وبصراحة في حاجة ماسة إلى مراجعة شاملة لطرق تعاملنا مع بعضنا البعض، وبحاجة كذلك إلى خدمة الثقافة الأمازيغية عن وعي ومبدأ وليس لقضاء مآرب مادية وشخصية ضيقة. ففي كل مهرجان لا نرى إلا نفس الوجوه. إنهم لا يتغيرون ولا يرتوون أبدا، ويصرون دائما على السيطرة وإبعاد الآخرين. يجب أن يعلم هؤلاء أن خدمة الفن والثقافة الأمازيغية مبدأ وقناعة أصيلة وليس غنيمة أو همزة كما يتصورون. ونرى جميعا كيف أن بعض المدراء الفنيين والمنظمين لا يشركون إلا أصدقاءهم ومعارفهم وذوي الفضل عليهم. كل ذلك يجعل من المهرجان أشبه بضيعة فلاحية في ملكية البعض يتاجرون فيها لمصالح ضيقة لا تمت للفن والإبداع بصلة. فوا أسفا لما وصلنا إليه من انحطاط شامل.
ثالثا: تخيلوا معي كيف أن الانتماء السياسي أصبح بطاقة عبور للمشاركة في المهرجانات المحلية. وأنا هنا لا أتكلم عن فراغ، فبعض المهرجانات أصبحت مسيسة لحد كبير، وأصبح المنظمون والمدراء لا يشركون إلا رفاقهم وزملاءهم في الحزب في جميع الدورات و يحرمون المحايدين والمنتمين لأحزاب أخرى. إن هذا الواقع المرير يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن السياسة أصبحت أداة للاسترزاق والبحث عن المصالح والمغانم في غياب تام لمنطق الاستحقاق والنزاهة وخدمة المصلحة العامة.
فهل يجب على الفنانين الانتماء لحزب واحد ووحيد حتى يتمكنوا من المشاركة في المهرجانات التي هي في الأصل أقيمت لهم ومن أجل الدفع بهم الى المزيد من العمل والإبداع. إن هذا الاسترزاق السياسي ينذر وبشكل خطير بعزوف شامل عن الميدان الفني وضياع طاقات شبابية وأجيال من الفنانين في ألاعيب سياسية تافهة لا يكون الخاسر فيها إلا لغتنا وثقافتنا الأمازيغية.
إننا اليوم بحاجة إلى الوقوف بشكل جماعي لحل هذه الإشكاليات الخطيرة التي نعيشها محليا وجهويا، ولا يخفى عن القارئ الكريم حجم الحكرة التي يعاني منها الفنان الأمازيغي المغربي على المستوى الوطني. فهي بالتأكيد المعركة التي يجب أن توجه إليها كل الجهود والمطلوب تعبئة شاملة من جميع الفنانين الأمازيغ لإصلاح الوضع والدفاع عن حقوقنا ومكتسباتنا ووضعنا الاعتباري.
فكلكم تلاحظون غياب الفنان الأمازيغي عن الإعلام العمومي و احتقاره بشكل مفضوح وممنهج في أغلب برامج قنوات القطب العمومي. وكأننا لسنا فنانين، نبدع ونشتغل بجد ونؤدي الضرائب وحاصلون على بطائقنا المهنية المعترف بها. أما قناة تمازيغت التي أنشأت لخدمة الفن والفنانين الأمازيغ والرفع من قدراتهم وتشجيعهم على المزيد من العمل والإبداع، فوضعها رغم كل المجهودات كارثي ومحزن.
فكل ما ذكرته عن مشاكل المهرجانات المحلية هو نفسه ما تعاني منه هذه القناة. والكل يعرف حجم الفساد المستشري هناك، والقائم على محاباة البعض وإبعاد الآخرين في مشهد شبيه بواقع العصابات. وبدون جهد جماعي مشترك ومصالحة حقيقية مع الذات فلن نرفع أبدا هذا التحدي. أتمنى صادقا أن تصل هذه الرسالة للجميع، وأن نعمل جميعا للإصلاح و خلق مناخ فني وثقافي حقيقي يشجع على الإبداع والعطاء. ودمتم أوفياء للفن الأمازيغي الأصيل
يكتبه: لحسن جكار (فنان مغربي من تيزنيت)

رابط قصير: http://www.tighirtnews.com/?p=36580







