الرئيسية » أغراس أغراس »

العالم القروي نقطة رئيسية يستحسن الانطلاق منها في مراقبة مالية الجمعيات

وأنت تجوب بعض القرى السوسية مثلا، لازالت صور القرون الوسطى تتكرر أمام ذاكرتك قبل العين. شظف عيش، وفتيات شخن قبل الأوان.. وجوه نساء ورجال فعل بهم الزمن الأفاعيل، وزاد جفاف الطبيعة هموما على همومهم. لازال الناس في بعض البوادي السوسية يشاركون في اقتراعات انتخابية بدافع عصبية قبلية يذكيها البعض لغايات في نفس يعقوب، ولازالت معالم الحضارة لم تصل بعد إلى الوعي البشري، الذي يفتقد العقلانية والاندماج في منظومة منطقية، فحتى المثقف المنتمي لتلك الربوع بالأصول والوجدان لا يرتبط مع باديته إلا موسميا، فيرى فيها blouch“تمازيرت” التي تريحه من ضوضاء المدن، و”تمازيرت” التي تمتعه برقصات أحواش في مناسبات معينة، ليكون نصيبها من اهتمامه بعد عودته من “عطلته” هو العدم، علما بأننا لو قمنا بعملية مسح جغرافي لكل بوادي سوس، لحصلنا على لوائح تضم شخصيات وازنة في مجالات متعددة، لكن للأسف لا تستفيد من عطاءاتها تلك الهوامش إلا الفتات.

حصيلة الأمور أن ما يسمى بالجماعات القروية تجدها متفاوتة في نوعية العقليات المهيمنة، دون أن يكون لها مشروع تنموي محدد المعالم، بل نفس الأشخاص الذين يتحملون مسؤوليات كمنتخبين أو كموظفين في تلك الجماعات، تجدهم يهيمنون على تسيير جمعيات لها علاقة مباشرة بالصالح العام، وكأننا ندور في دائرة مفرغة، وسنلاحظ أن ملفات ثقيلة ستظل فارضة نفسها في ظل غياب تفعيل ميكانيزمات وآليات المراقبة والمحاسبة.

لنأخذ مثلا ملف الجمعيات الخيرية المنتشرة في البوادي السوسية، فهي لوحدها تحتاج إلى لجان افتحاص لمراقبة نوعية التدبير الذي تستفيد منه، والتأكد من نوعية وجودة ما يقدم للمستفيدين، وحصر لوائحهم الحقيقية دون تضخيم، معايير نعتقد أنها يجب أن تكون من أولويات مراقبة المجلس الأعلى للحسابات لملف مالية الجمعيات، فلدينا معطيات نخجل من كتابتها تتعلق ببعض النماذج، والتي لا ترقى للجنس البشري في تغييب الطابع الإنساني وروح التكافل في تحمل بعض العقليات لتدبيرها.

إن كان الراحل سيدي “محمد المختار السوسي” في فترات سابقة قد قام بمسح شبه شامل لخزانات بوادي سوس لتدوين مخطوطاتها النفيسة، فإننا اليوم في حاجة إلى سواعد حقيقية تنصب نفسها مراقبة للشأن العام في تلك الربوع، فأركيولوجيا الصمت واللامبالاة هي السبب في تخلفها، وسياسة اللامبالاة هي السبب في تفريخ مافيا العقار والانتحال والتزوير، والسبب في تحول بعض الجماعات القروية إلى ضيعات تغليب المصالح الخاصة، وتحويل المعدمين إلى شبه بورجوازية صغيرة، دون مبررات منطقية سليمة لهكذا تحول بين ليلة وضحاها.

إن ما يقع في محيط الجماعات القروية (باستثناء حالات قليلة جدا) وصمة عار على جبين المثقفين الذين تنحدر أصولهم من مجالها الجغرافي، ووصمة عار على القائمين على الشأن العام ، فتناسل ظواهر الاستهتار بالصالح العام في طريقه إلى اضطراد مهول ، بحيث أن افتقاد جل المنتخبين لمؤهلات التدبير أمر لا يحتاج إلى تأويل أو شرح، فبلغة المناطقة “شرح الواضحات من المفضحات”، ولعل التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات خلص في تفقده لجماعات بإقليم “سيدي إفني” إلى نفس الحكم، فمن الطرائف أن تقرأ في إحدى الردود أن جماعة ستخصص 02 مليون سنتيم للتكوين، وهذا في حد ذاته برهان قاطع على العبث، لكون التصريح بمبلغ محدد دون الانطلاق من معايير أو تبرير هو نموذج صارخ للامسؤولية، لكون المتعارف عليه في مجال أي تكوين، كيفما كانت نوعيته، هو تحديد نوعية الحاجيات ولوائح المستفيدين، ونوعية التكوين ومكان القيام به، وغيرها من الضوابط المتعارف عليها، وليس مجرد تصريح بميزانية ستخصص له بشكل اعتباطي، وبالتالي يصبح مثل ذلك الرد تفعيلا للمثل الشعبي المعروف ” ن الخيمة خرج مايل”، ففاقد الشيء لا يعطيه ، وحين نقيس مثل هذا الرد على تدبير شأن العباد لربما حصلنا بكل بساطة على تجليات سوء التدبير، مادام هذا الأخير ينبني أصلا على معايير وليس على مجرد اندفاع وعشوائية.

ذ. محمد بلوش: “تِـغِيـرْتْ نْـيُوزْ” – سيدي إفني

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك