الرئيسية » أغراس أغراس » كلشي باين »

الهروب الكبير من سجن اسمه المغرب

شعرت بتقزز لا نظير له، وصور شبان مغاربة يغرقون في أعالي البحر ويسبحون ويلهثون على الماء لشد حبل نجاة مرمي من باخرة عابرة للحدود … البعض منهم تمكن من شد طوق النجاة والبعض منهم غرق … والأغلبية لا تزال متعلقة بالأمل على الزورق … صور الشباب المهاجر على قوارب الموت في كل مكان من البحار المحيطة بالوطن .. من الناظور إلى الحسيمة وتطوان وطنجة والقصر الكبير والصغير وأزيلال والعرائش والبيضاء إلى إفني وطانطان طرفاية  ..

أتذكر أفراد عائلتي وأبناء الدوار والأصدقاء في إفني .. كلهم ركبوا قوارب النجاة وقوارب الموت منهم من وصل وبقي هناك وحقق أحلامه … ومنهم من وصل ورحلوه عنوة … ومنهم من لم يصل ومات في البحر للأسف…  لن أضيف شيئا عن أسباب هذا الهروب الكبير غير المسبوق في التاريخ … أو الغرق الكبير …. لأن الواقع باث معروفا لدى الجميع .. أن هذا البلد لم يعد يشعر فيه الشباب بالأمل ولم يعودوا قادرين على الصبر …

وحين طغى اليأس وطفحت التفاهة في المجتمع بعد عقود من تمسيخ الهوية والحضارة والثقافة المغربية .. وانصاع الجميع في صراط مستقيم وفي خشوع عظيم يكره كل شيء ينفرد به وطنه .. كل شيء يميزه عن غيره .. كل شيء من خصوصياته أصبحت مشينة ومكروهة … ويجد المغربي ذاته في غيره … حين يتكلم كلاما غير كلامه ويلبس لباسا غير لباسه … ويلقى سعادته في غيرية عجيبة  …

إن المغرب وصل حالة من التفسخ لا مثيل لها … حالة تفكك بنيوية … حالة خدمتها الدولة بكل وعي وتفاني … حين يسير الشعب مع حملة غير بريئة ضد ورود كلمة أو كلمتين في متن مطبوع لتلاميذ المستوى الثاني ابتدائي من اللغة المتداولة في اليومي … يرفضونها بدعوى أنهما من الدارجة وليستا من الفصحى … فعلم أننا وصلنا إلى نهاية الحافة … هي الحافة التي يعبرها الشباب بالقوارب والسباحة …

لو كانت الدولة والمجتمع يسعيان إلى احترام قيم هذا الوطن ويربون في الأجيال ثقافة وقوانين وأنظمة الحضارة والثقافة المغربية الأصيلة، والمعنى الحقيقي للانتماء إلى المغرب .. وهي القيم المبنية على العدل والمساواة والكرامة والتقسيم العادل للثروة … وحماية الأرض والماء والغابة .. وكل الموارد الطبيعية إلى درجة التقديس كما في الـأعراف والألواح … كمنظومة تيويزي ونظيمة أكدال وحكامة إنفلاس وغيرها من أسس الديموقراطية المحلية … لن نرى كل هذا العداء لما هو مغربي محلي ولن نبجل كلما هو شرقي ولن نغرق للوصول إلى الغرب…

المغرب أغنى بلدان العالم … والذين يقولون أن المغرب بلد فقير فهي خدعة … المغرب بلد معدني .. فيه الفوسفاط والذهب والفضة والنحاس … بلد فيه الفلاحة بكل أشكالها وأنواعها وفيه ثروات بحرية ومائية وغابوية .. .ماذا ينقص إذن لا شيء .. الصناعة هي اختيار وستأتي لأن الموارد موجودة … والبشر كذلك موجود حتى أصبح يموت في البحار …

الذين يهجرون البلد ليس لانهم لا يحبونه … ولكن بسبب انعدام العدل والمساواة وتفشي الظلم والفساد المالي والإداري والسياسي … ليس فيه تقسيم عادل للثروات بصيغة الجمع … بلد يطغى فيه الجهل مع تقدم وتطور البشرية وتسارع الاختراع … لسبب بسيط شعب أخرجوه قسرا من ذاته … شعب خارج الوعي .. المغاربة يعيشون في الوهم .. والوهم الثقافي والهوياتي من أقبح أنواع الوهم…

الفتيات يحلمن بالهجرة إلى الخليج .. والشبان يحلمون بالهجرة إلى أوربا .. والشيوخ يحلمون بزيارة السعودية قبل الممات … من يحلم ويفتخر بأمازيغية المغرب المسكين…؟.

يكتبه: عبد الله بوشطارت

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك