محمد أمنون (*): تِغِيرْتْ نْيُوزْ
أمام ما تعيشه غالبية الأحزاب ببلدي على رأسها قطبي اليسار التقدم والاشتراكية والاتحاد من بروز ملامح “نفس استبدادي تحكمي جديد” جراء تحكم وتسلط الانتهازية التي سهرت على حفل المذبحة الديمقراطية الداخلية لهذه الأحزاب … وأمام الصمت والحياد السلبي للدولة تجاه ذلك ومحاولتها الركوب على ذلك لخلق مشهد سياسي على المقاس، يمكن القول أن الأزمة السياسية ببلدي أصبحت عامة، وأن أزمة الأحزاب هذه جزء من أزمة الدولة … أزمة تعبر عن حالة الانفصام لدى النخب الحاكمة من حيث أن ما تمتلكه من موارد للقوة والشرعية لم يعد كافيا لتمكينها من إتمام التحول الجذري والحقيقي للمجتمع المغربي ونقله من حالة الضعف والحكرة والتبعية الاقتصادية والعلمية إلى حالة الازدهار والحرية والديمقراطية. كما أن منسوب الشرعية ذاته ليس على درجة كافية من الضعف ليسمح لنخب أخرى جديدة للصعود واستلام مهمة السلطة. هذا هو تماما ما حمل ميكافيللي على توجيه النقد اللاذع لسلطة البابا لأنها لم تكن قوية بالقدر الكافي لتوحيد إيطاليا كما أنها لم تكن على درجة كافية من الضعف تسمح للآخرين بأن يقوموا بتحقيق ما فشلت هي به.
إن عدم قدرة النخبة الحاكمة ببلدي على إنجاز التحول المطلوب أضعف شرعيتها أمام المواطنين والمواطنات والدليل هو أحداث الحسيمة وجرادة وأخيرا وقائع المقاطعة جراء اشتعال الأسعار و لاء المعيشة … ولغرض التغلب على فشلها نجد هذه النخبة كثيرا ما تلجا إلى توظيف قربها من رأس الدولة “الملك” من جهة وتوظيف الدولة ومواردها من جهة أخرى للتقليل من وطأة عدم شرعيتها، “وهذا ما تنبأ له جلالة الملك في خطابه بتاريخ 29 يوليوز 2017 بمناسبة ذكرى عيد العرش ، حينما قال: “… عندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى الواجهة، للاستفادة سياسيا وإعلاميا، من المكاسب المحققة. أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الاختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه..”، وفي انتقاد قاس لهذه النخبة الحاكمة تابع جلالة الملك: “إذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟ لكل هؤلاء أقول:” كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا. فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون. ولكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، لأن الأمر يتعلق بمصالح الوطن والمواطنين. وأنا أزن كلامي، وأعرف ما أقول … لأنه نابع من تفكير عميق”.
خلاصة القول أن النخبة الحاكمة ببلدي وفي محاولتها تجاوز أعطابها الشرعية والديمقراطية حوّلت الدولة كلها إلى فضاء يساير توجهاتها، وهذا جعلها جزء من الأزمة بدلا من أن تكون جزء من الحل. وفي مسعاها للتقليل من هول ضعفها وفشلها في تحقيق الازدهار والتنمية ودولة الحق والقانون لجأت إلى تبني خطاب محتال يظهر ضعفها على أنه من الصنف الحميد، والذي لا ينبغي أن يُستدل منه أنها ناقصة الشرعية، بحديثها عن المظلومية والتحكم وغيرها من المبررات التي نعتبرها نتيجة وليست سببا.
فضعف النخبة الحاكمة وعدم شرعيتها، هو من وجهة نظرها نابع ليس من قصورها و انتهازيتها واستبدادها وابتعادها عن هموم الشعب وإنما من استهدافها ، لا بل معاداة البيئتين الداخلية (المجتمعية) والخارجية لما تمثله هذه النخب من قيم وتوجهات ومبادي ترى فيها الخير والنبل الإنساني. وحمل هذا الوضع النخبة الحاكمة على البحث ليس عن موارد لتعظيم قدرتها على تحقيق ما يريده الشعب وإنما عن انجازات آنيّة ومبتورة وشكلية (كبعض الإصلاحات القانونية هنا وهناك) الهدف منها تخدير المواطن ليفقد قدرته على الإحساس بضعفها كي لا يُسائلها. هذا الحال عزز عدم شرعية تلك النخب وأبقاها ضعيفة ما دفع بها إلى تبني وسائل السيطرة القهرية على المجتمع كخيار أوحد بعد أن أخفقت في اختبارات الديمقراطية والتنمية.
(*) عضو مجلس جماعة إفران الأطلس الصغير
رابط قصير: http://www.tighirtnews.com/?p=34171







