الرئيسية » نون النسوة »

مارية كَوميز.. الإسبانية التي اتخذت من إفني موطنا ثانيا لها

مارية هي آخر مَن بقي بمدينة إفني بعد مغادرة الإسبان لها سنة 1969. اختارت بكامل رغبتها أن تمكث بالمستعمرة السابقة، بلدها الثاني، المصمم على شاكلة معمار بلدها الأصلي، الذي هجَرته بنِية ألا تعود إليه أبدا. اتخذت قرارا حاسما لا رجعة فيه. قبيل مجيء الاسبان إلى إفني، كانت مارية مخطوبة لمحام اسباني في مقتبل العمر، لقي مصرعه في حادثة سير مروعة.

مارية كاثوليكية متدينة (فهمتُ هذا عندما تقدم بي العمر وصرت أميز بين الكاثوليكي والبروتستانتي)، تحتفظ بصليب على شكل تمثال من البرونز، ينتصب فوق سطح مدفئة هجرها جمرها منذ مدة ليست باليسيرة. بما أنها كانت مغرمة برجلها الأول حد الصبابة، فقد قررت أن تخلص له للأبد، مستحقة بذلك اسم مريم… العذراء.

تلبس مارية، حتى نهاية الثمانينات، على طراز الستينات، دون أدنى تغيير إلا ما يخص الألوان؛ تضع وهي خارجة لتتبضع أو لزيارة صديقها الافناوي الوحيد، تنورة وسترة صوفية ذات أزرار، غالبا ما تتركها مفتوحة، ونعلين(بكعبين يعلوان عن الأرض بضعة سنتمترات)، يظهر منهما الجزء الأكبر من قدميها، فيبدو  اعوجاج طفيف في إبهامَيها، و هي حالة عادة ما تحصل عند النساء مع التقدم في السن. تلبس مارية إذن بنفس الطريقة، دون  أن تكلف نفسها عناء التفكير في التجديد، باستثناء اللون الذي كانت تحرص كل الحرص أن يكون موحدا؛ أما القميص فكانت تفضله أبيض على الدوام. وكانت كذلك تضع وشاحا رقيقا مطويا بطريقة معينة، بحيث يأخذ شكل ربطة عنق أو أفعى صغيرة (إن شئنا المبالغة قليلا).

منزل  مارية منزل أنيق من منازل الحي الاداري بمدينة إفني؛ به حديقة تضم شجيرات الجهنمية بألوانها الزاهية، ونباتات أخرى أهمِلت حتى صارت متوحشة. النوافذ دائما مغلقة، فمارية على ما يبدو ما لا تطيق أشعة الشمس. لم يكن أحد من أهل الحي يجرؤ أن يطرق بابها، و لم يصادَف أن استضافت أحدا في دارها اللهم إلا صديق لها من البلدة و بعض أفراد عائلتي؛ كانت هي الأخرى تزورنا بين الفينة والأخرى، تردد معنا بإيقاع متثاقل أغنية للفنان محمد منير، هي أغنية جينريك مسلسل مصري تم بثه في الثمانينات على القناة الأولى: ماشي، ماشي معاك يا زمان… وقد انقلبت العين ألِفا في كلمة ” معاك “.أستطيع الآن، بشيء من الجسارة والتأويل، القول بأن أهل حينا– ربما لاعتبارات ترتبط بالمعتقدات الشعبية– كانوا يتحاشون الاحتكاك بعجوز أجنبية تعيش في خلوة شبه تامة لسنوات طويلة.

التحقت مارية ﮔوميز بالرفيق الأعلى بداية عام 2001 بمستشفى بالبيضاء. منزلها الآن قد استوطنته الجرذان والعناكب، وبات ملجأ للمتشردين من الجن؛ لكنه ما يزال يحمل اسم صاحبته : دار مارية. دار : خبر لمبتدأ محذوف.

وداعا مارية.

حمدي الحيرش: مشاهد أنفو

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك