تقضي الفتيات طفولتهن في الكثير من المجتمعات المتخلفة -المغرب نموذجا- تحضيراً للزواج لا أكثر، وغالباً ما تدفع الفتاة بإبداعها وطموحاتها لتصبح مجردَ أحلام ثمناً للزواج في مُقتبل العمر، غير ناضجة جسدياً أو نفسياً لتُنجِبَ وتُربّيَ أطفالاً وهي ما تزال طفلةً أو مراهِقةً في سن العشرين ً. وقد تُحرَم من حق التعليم والحصول على شهادة جامعية في بعض البلدان إذا ما أُجبِرتْ على الزواج بقرار من الأب قد يكون اتّخذه لتخفيف عبء اقتصادي عليه في بعض حالات الفقر التي يعيشها الأهل.
من هنا، يحتلّ الفقر العامل الأكثر تأثيراً مع الجهل في مسألة عدم المساواة والتمييز والعنف الأسري ضد الفتاة، سواء من قِبَل أهلها أو بعدهم من قِبَل الزوج. وأيضاً الفقر هو عامل مهم ومُسبِّب للجهل ولدفع الأب للتخلّص من أعباء الفتاة بأي طريقة بتزويجها في سنٍّ مبكّرة لرجلٍ يكبرها بعشرات السنين. تُصبح الفتاة في هذه الحالة أكثر عرضة للاستغلال الجنسي والعنف الجسدي والنفسي، غير ناضجة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها بانعدام كل العوامل التي قد تُساعدها على ذلك، غير أنّ ما هو أخطر هو أنّ العنف المتكرّر في سن الطفولة والمراهقة يترك أثراً كبيراً في الشخصية وفي السلوك والرغبات، وقد يخلق من فتاةٍ كهذه شخصيةً عنفيةً ذات نزعة عدوانية قاسية تميل للشَّر والأذية للآخر بدءاً من أولادها، وتُرافقها هذه النزعة في سلوكها مع أطفالها كردّة فعل على العنف الذي تعرّضتْ وتتعرّض له، والكبت الطويل على الظلم، ليُصبحَ لدينا بعدها أسرة، بل جيل كامل من العنف والشر والعدوانية، (كلهم ضحايا) بِمَن فيهم المرأة والأولاد والرجل أيضاً. إنهم جميعاً ضحايا الجهل والفقر والموروث الثقافي وانعدام القوانين العادلة.
فما زال غشاء البكارة يشكّل إحدى معضلات الشباب المغربي، وما زال الجسد هو باب العذاب والخلاص للمرأة المغربية بالنسبة لتلك المجتمعات التي همّها مراقبة الجسد واحتياجاته وقمعه قدر الإمكان بالضرورة للمرأة فقط، حتى يتسنّى لذلك الرجل أن يرى نقطة دم، ربما في أول إنجاز تاريخي له في فَض غشاء بكارة أنثى قد لا يرى فيها إلاّ غشاءً مطاطياً يساوي لديه كل أغشية العقل والفِكر والإنسانية.
ومن دم غشاء البكارة إلى دم ما يُسمّى جريمة الشرف؛ تلك التي تحصل في الكثير من المجتمعات (مشرقية كانت أو شمال إفريقية …) بحماية قانونية وشبه تأييد اجتماعي ومؤازرة دينية تجعل من الفتاة (حالة جسد فقط) تعيش حياتها وكأنها تقدّم امتحاناً يومياً تنتظر برعب أبدي نتائجه. إن مَن يرتكبون جرائم الشرف لغسل العار ينتهجون منهج “داعش” نفسه في رجم المرأة حتى الموت عقاباً لها، وقد يكونون مِمّن انتقد ممارسات “داعش” الوحشية وندّدَ بجرائمها من دون النظر إلى أنفسهم وعقليّتهم التي ليستْ إلاّ امتداداً لداعش، ولثقافة الدم مقابل غسل العار.
ومِن ثقافتنا أحد أقوال المتنبي عن هذا الشأن يقول: (لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى حتى يُراقَ على جوانبِه الدمُ)، إذ مضى على هذه الطقوس التقليدية التي تعود لعقلية ذكوريّة أبوية مئات السنين بل آلافها، وترتبط مسألة الشرف والعار والعُذرية -إلى حَدٍّ ما – بثقافة العفّة الجسدية للمرأة، فأول شروط العفة هو قهر الرغبات الطبيعية الجنسية بشكل عام، ليصبح همّ الفرد في مجتمع مراقبة جسد المرأة بدلاً من عقلها، وحقنها بأفكار منذ الصغر تحصرها داخل جسدها بدلاً من تنمية قدراتها الذهنية والعقلية والروحية بالمحبة والصدق والعلم والثقافة.
ولعلّ أكثر ما صبّتْ عليه المجتمعات المتخلفة اهتماماتها هو موضوع الجنس بين الرغبة الدائمة والقمع النفسي. المجتمعات التي ترفض الحرية الجنسية في العلن وتمارسها في السر؛ إذ ترقّع الفتيات أغشية بكارتهن من أجل أول ليلة كي تستمر بعد ذلك مسرحية نفاق مجتمعي يستحقّه مَن سعى وراء غشاء مطاطيّ وثار للعار. أو ليس الأجدر بهذه المجتمعات أن ترفضَ زواج القاصرات قبل أن تنهى عن هذا وذاك!؟ إنّ غشاء البكارة وغسل العار كجريمة الشرف ليسا إلاّ غشاءً على أعين مجتمعاتنا وعقولها، وليس العار إلاّ عار الجهل وثقافة الكراهية والقمع والانتقام.
ونقر في هذا الصدد أن من المهم جداً فصل الموروث الثقافي والديني عن القوانين كي يتمَّ وضع قوانين مدنية أكثر إنسانية وتطبيقها، لتحمي الفرد وتُساهِم في تطوُّر المجتمعات، ورفع الحِسّ الأخلاقي الذي قد يَنكفِئ بسبب الظلم، فالإنسان عندما يُظلَم ويفقد حريته وحقوقه، سيفقد إنسانيته بشكل تدريجي .
بقلم: محمد داعنو – تغيرت نيوز
رابط قصير: http://www.tighirtnews.com/?p=30695







