في مثل هذه اللحظات التي لا تتكرر إلا كل أربع سنوات، اسمحوا لنا أن نأخذ نفسا عميقا يسمح بوصول الأكسجين إلى المخ حتى نقوى على تقديم أفكار قريبة من الصحة بعيدة عن الانفعال. فبعد تعيين العامل السابق “ماماي” وحصول “الأفناويون” لأول مرة، على مؤسسة كبيرة اسمها العمالة، اكتشف “الأفناويون” مع مرور الوقت أنهم يبتعدون كل يوم عما كانوا يحلمون به بل الأسواء أنهم يبتعدون عما كانوا عليه.
أصبح التنظير والتمييز وصناعة الأصنام رياضة يومية، وأصبحت سيرة رئيس المجلس وبرلماني المنطقة و عامل الإقليم وشلة المعارضة وأحكام القضاء هي الطبق الرئيسي على مائدة البيوت “الأفناوية”. ونجح المخزن بميزة حسن جدا، أن يوقعنا في بعضنا. وانشغلنا بأخبار كثيرة تافهة ومواجهات شفاهية عقيمة حتى أصبحت الطاقة مستهلكة على هامش الحدث، دون أن تصب في عمقه.
والعمق أن كل من يشارك في قيادة هذه البلدة الفاضلة قليل الحيلة، ولا أحد يستطيع أن يقوم بمواجهة كل الأعطاب، لأنه ببساطة لا يمتلك حلولا سوى أن يقيم جدرانا عازلة في كل شارع يشتعل فيه القلق. لذلك، ربما أصبحنا أكثر من أي وقت مضى في حاجة لأخذ مسافة مما يحدث لالتقاط الأنفاس حتى يسترد الناس إنسانيتهم وعافيتهم النفسية، ففي مثل هذه اللحظات نحتاج إلى أن ننظر إلى الأمور بطريقة مختلفة لا تخلو من مسحة القاسم المشترك الأكبر الذي يجمعنا مع الدولة الشقيقة “طانزانيا”.
خذ مثلا هبوط طائرة “الشرقي أضريس” على أرض “لابياسون” ففي هذا الحدث تأكيد رسمي على ثبوت صفة المطار الدولي على منطقة “لابياسون” وأن كل الترهات التي سمعناها عن تحوله إلى وزارة التجهيز من أجل “إفني جديدة” ما هو إلا كلام يدخل في إطار “عزة ومعيزيزة حل الباب راني جيت، جبت لحليب فبزيلات، جبت الربيع فكريناتي”.
خذ أيضا المصافحات الحارة بين بعض قيادي السكرتارية المحلية و”الشرقي أضريس” وحاول أن تعصر الذاكرة أو ابحث في “جوجل” عن بعض مشاهد السبت الأسود الذي أصبح أبيضا اليوم بتقديم صك البراءة الشعبية لهذا الرجل من تهمة جلاد السبت الأسود التي دونها رفاق الأمس في حوالي أربعة وعشرين بيانا ونداء وبلاغا لازال التاريخ “الأفناوي” يحتفظ بها للذكرى التي تنفع المؤمنين.
خذ مثلا سيناريو الغداء الفاخر بالقرب من ضريح “سيدي علي إفني” وإصرار العامل الجديد على التبرك به أولا مع العلم أن جده ينام قرير العين في الجهة الأخرى “سيدي أحمد الركيبي” الذي يتعرض ضريحه الشريف إلى التهميش لولا “بركمان” أحد قياديي السبت الأسود الذي أخذ على عاتقه مهمة تنظيفه وحراسته من غدر الزمان.
خذ أيضا تفاصيل الوجبة الشهية التي استطاعت أن تجمع تحت خيمة المخزن ما فرقه “ماماي باهي” وتساءل بكل سذاجة ما سبب اختيار السمك كوجبة رئيسية رغم “المنزلة”، هل هناك إشارات سياسية أم مجرد إشارات اقتصادية لتنمية المنطقة، مع العلم أن السمك كان سببا رئيسيا في سواد أحد أيام الأسبوع “الأفناوي”.
خذ مثلا صراع البحث عن مواقع قريبة الذي يتعرض له العامل الجديد والذي قد تحدد خارطة طريقه خلال السنوات القادمة وتذكر قارئي العزيز، الأيام الأولى للعامل “ماماي باهي” لتصل إلى نتيجة منطقية هي أن أصدقاء المصلحة مثل كرات “الكولفازور” من ضربة واحدة يتفرقون، والأصدقاء الحقيقيون مثل البولينج مهما تفرقوا يتجمعون في النهاية في حفرة واحدة.
سكان هذه المدينة الفاضلة وسكان إقليمها يعشقون الحديث في السياسة ليل نهار ويتقنون فن الدعابة السياسية ويستطعمون النكتة الحلوة والكلمة الضاحكة في أحلك المواقف وأسوأ الظروف، حتى أنهم عندما يضحكون و تغرورق العينان بالدموع يهتفون “الله يخرج هذا الضحك على خير”، فالدعابة والقليل من “الطنز” يجعلنا نرى همومنا بشكل مختلف.
محمد أنفلوس: “تِـغِيـرْتْ نْـيُـوزْ” نقلا عن “مشاهد”
رابط قصير: http://www.tighirtnews.com/?p=2771







