الرئيسية » سياسة ومجتمع »

المساواة بين الجنسين …. بين “تعطيل العمل بالنصوص القرآنية”، و”لا اجتهاد مع وجود النص”

عرفت المطالبة بمنع تعدد الزوجات والمساواة بين الرجل والمرأة في الإرث، جدلا كبيرا عقب صدورهما على لسان كاتب عام لحزب مغربي، واللذين استحسنتهما الجمعيات ذات اللواء الحداثي، فيما اعتبرها البعض مطالب جريئة لدرجة الاتهام بالزندقة، لتطاولها على نص قراني صريح وقطعي الثبوت والدلالة.

عصام العباري – صحفي بقناة “ميدي1” “تِـغِيـرْتْ نْـيُوزْ”

لم يكن الزعيم الاتحادي ينتظر بالطبع التصفيق والتمجيد لدعوته هاته، خصوصا في مجتمع تقليدي محافظ ومرتبط أشد ارتباط بالموروث الديني ولو بالجمع بين بعض المتناقضات، واعتبرها البعض فرصة ليدلي الكل بدلوه في الموضوع، في إطار من النقاش العلمي والفكري المتزن، والذي يضمن لكل الحق في التفكير والطرح واحترام رأي الآخر الذي لا يلزم الغير في شيء، وفرصة سانحة كذلك للمواطن للاطلاع على المشاريع المجتمعية لكل تيار بالوقوف على تصورها لمغرب الحاضر والمستقبل .

عصام العباري – صحفي بقناة "ميدي1"

عصام العباري – صحفي بقناة “ميدي1”

لا اجتهاد مع وجود النص

الدعوة القديمة المتجددة، أخرجت البعض عن صمته لجرأتها على نص قراني صريح من باب القاعدة الفقهية “لا اجتهاد مع وجود النص”، وكذلك فتحت بابا من أبواب الفتنة على المجتمع وزعزعة عقيدة المسلم، بالتشكيك في النصوص القرآنية حسب المنتقدين، بدعوى أنها لم تعد تستجيب لمستجدات العصر، وهو ما يعتبرونه تشكيك في الرسالة الإلهية بكونها صالحة لكل زمان ومكان وتجيب على أسئلة الماضي والحاضر والمستقبل، دون إغفال مبدأ الاستهداف والمؤامرة التي يتشبع بها أعداء هذه المطالب، فالدعوة بالنسبة إليهم لا تخرج عن الاستهداف الأمريكي والصهيوني لهذه الأمة.

تعطيل العمل بالنصوص القرآنية الصريحة

انتقاد وإن تم تفهمه من قبل البعض، إلا أن تناقضه يعيبه عن الفهم والاستيعاب للبعض الآخر، خصوصا وأن الاستدلال بكون الدعوة للمساواة بين الرجل والمرأة ضرب لنص قرآني صريح، تبقى انتقائية في التعامل مع هذا النوع من النصوص القرآنية الصريحة، وإلا كيف نفسر تعطيل العمل بالنصوص القرآنية الصريحة في مسألة الحدود الشرعية، حد السارق ” وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” وحد الزاني “الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ” وهي من أكبر الحجج التي يستند إليها أصحاب دعوة المساواة، أليس تعطيل الحدود ضرب لنصوص قرآنية صريحة، عملا بمبدأ “درء الحدود بالشبهات”.

التعامل مع الحكمة في التشريع

مثال الرق الذي أصبح ممنوعا مجتمعيا، فهل يمكن للمنتقدين، الدعوة لامتلاك عبيد أو “ما ملكت أيمانكم”، رغم أن النصوص المرتبطة بالرق تفيد الحد منه عن طريق العتق “وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ” وليس هناك نص يمنع ذلك، لكن اجتهادات فقهية تمنع ذلك، بدعوى تناقضها والواقع الحالي، ولا يسلم الحديث النبوي الصحيح من نفس تعامل الانتقائية، يقول النبي صل الله عليه وسلم ” من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة” السبب في تعطيل هذا النص الحديثي الصحيح، هو كون العرب كانت صفة التكبر لديهم في جر ثيابهم على الأرض فجاء التشريع للقطع مع هذه الصفة بأن نص على جزاء من يجر ثوبه تكبرا، وهو الآمر الذي لم يعد شئنا اليوم أن يجر أحدهم ثوبه خيلاء، وهذه قراءة حسب أهل الاختصاص الفقهي في اطار التعامل مع الحكمة في التشريع، وهو الأمر الذي يفسره تعطيل عمر بن الخطاب لحد السرقة بعد أزمة المجاعة التي أصابت الأمة في ذلك الوقت.

مدونة الأسرة … تناقض مع مبدأ المساواة

إذا هي نفس الحكمة والتعامل مع روح التشريع التي يدعوا أصحاب مطلب المساواة لتبنيها خصوصا وان المرأة اليوم أصبحت تعيل الأسرة وأصبحت تعمل خارج البيت، الشيء الذي لم يكن سابقا وكان أمر القوامة مقتصرا على الرجل. تغيرات مجتمعية يدعوا أصحاب الدعوة لتفهمها والاستجابة لمطالبها وهي الدعوة التي تبقى هي الأخرى مبثورة الطرح، خصوصا في ظل التنويه الذي حظيت به مدونة الأسرة من قبل نفس التيار الحداثي على اعتبارها مكسبا للمرأة، رغم تناقضها ومبدأ المساواة.

مساواة انتقائية

فكيف يستقيم إلزام الزوج في ظل مدونة الأسرة، بواجب الإعالة مع مطلب المساواة بين الجنسين، كيف يمكن تفسير تكاليف الزوج التي لا تلزم الزوجة دفع الصداق (م26) تحضير بيت الزوجية، لا يحق المطالبة بالأثاث (م29) الأولاد تبع للرجل في الدين والنسب (م 145) أداء مستحقات الطلاق ومؤخر الصداق …. إلخ، هل تنسجم هذه الالتزامات مع مطالب المساواة، أم أنها مساواة انتقائية.

فهل يمكن القول بأن الدعوة للمساواة ، إعادة للنظر في مدونة الأسرة وإسقاط للقوامة على الرجل، فلا حديث بعد اليوم عن صداق ومؤخر، الذي سيصبح بالمنطق الحداثي بيع في المرأة وشراء.

ويتأكد من خلال الإلمام بالشق الفقهي لتقسيم الإرث، بأن المفاضلة بين الجنسين لصالح الرجل في الميراث ليست قاعدة في كل الحالات، فهناك أربع حالات فقط تشملهم هذه القاعدة، فيما تبقى أزيد من 10 حالات مختلفة قد يتساوى فيها نصيب الأنثى والرجل أو يتجاوزه، لأن الأصل بين تفاوت الأنصبة تحكمه 3 معايير، القرابة وموقع الجيل الوارث، والعبء المالي الواجب على الوارث ، بعيدا عم معيار الذكر والأنثى، ومثال لهذه الحالات.

إذا ماتت امرأة وتركت زوجًًا وأختًًًا شقيقة: فلكل منهما النصف.

إذا ماتت امرأة وتركت زوجًا وأختًا لأب: فلكل منهما النصف.

إذا مات الرجل وترك أمًا وابنتين وأخًا؛ فالابنة هنا ترث ضعف ونصف ضعف الأخ.

إذا مات الأب وترك ابنةً وأمًا وأبًا؛ فتأخذ الابنة ضعف ونصف الأب أيضًا.

إذا مات الرجل وترك ابنتين وأبًا وأمًا فالابنة هنا ترث ضعفين الأب.

الشيء الذي تجب معه إعادة صياغة المطلب على أسس مثينة وعلمية، وهو ما سيشكك في النوايا لمثل هذه المطالب النسائية التي تقتصر دائما على الاهتمام بالشق المادي للمرأة بعيدا عن النظرة “الجمعية” لمفهوم الأسرة، الشيء الذي أثبته مطلب وثيقة اقتسام الممتلكات، والتي أقيمت الدنيا وأقعدت من أجل تحقيق هذا الأمر، لتثبت إحصائيات 2008 أن حاولي 27000 حالة زواج فقط 330 هي من اعتمدت الوثيقة، ليتبين مدى فئوية ونخبوية بعض المطالب النسائية، فلابد وأن يكون التحرك نصرة للمبادئ لا للمنافع.

أسئلة وأخرى يفرضها النقاش للتجاوب مع هذه الدعوة، دون تعصب أو تسفيه ، بل بالدليل والحجة الدامغة ، سعيا وراء البحث عن أجوبة لإشكالات راهنة ، قد تكون بإعادة قراءة الموروث من التفسير لا الطعن في النص القرآني، أو في إيجاد حلول مجتمعية سياسية واقتصادية واجتماعية قد تكون مفتاحا لباب العدل المجتمعي بين الجنسين مع مراعاة الفطرة في توزيع الحقوق والالتزام بالواجبات.

الرابط المختصر للمقالة:  http://www.tighirtnews.com/?p=1904

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك