
تنطلق يوم الخميس المقبل (10 مارس 2016) فعاليات الموسم السنوي للولي الشهير بالمغرب الكبير “سيدي محمد ايدير” الذي يقام بـتغلولو جماعة إبضر إقليم افني، وهي مناسبة تستضيف فيها زاوية “سيدي محمد ايدير” طائفة إفقيرن إداولتيت الذين يجوبون عدد من المناطق بسوس، ويحطون رحالهم في عدد من المساجد والمدارس العتيقة والزوايا والأضرحة بكل من إقليمي تيزنيت وسيدي إفني.
وقد بدأت وسط أجواء مفعمة بالفخر والاعتزاز قبائل تغلولو استعداداتها لاستقبال الزائرين والضيوف والوافدين من داخل وخارج المغرب، كما أن جمعية تسيير ورعاية زاوية سيدي محمد بن ايدير ومدرسته العتيقة لم تدخر جهدا في سبيل توفير جميع متطلبات نجاح هذا الموسم.
لمحة موجزة عن الولي الشهير بالمغرب الكبير ” سيدي محمد ايدير”:
لقد جعل الله بلاد المغرب أرض الأولياء والبركات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) أخرجه مسلم في صحيحه، ومن هؤلاء الأولياء الولي الشهير في الـــمغرب الكبير “سيدي محمد بن ايدير” علامة بلدة تغلولو و بدرها المنير الصالح المشهور والعالم المذكور.
سيدي محمد بن ايدير التقي العابد الفقيه المدرك لدقائق الفقه ذو الفهم الثاقب والرأي السديد الصائب المتواضع المصلح، من أشاد بفضله والثناء عليه المحبون والأعداء، الحرم الآمن والحصن الحصين الساكن لأهل بلدة تغلولو والقبائل المجاورة لها.
يقول عنه الحضيكي في كتابه طبقات الحضيكي صفحة 297 : “محمد بن ايدير التغللي من أولياء الله تعالى كان ملجأ للناس ظهرت بركته في البلاد وكان دأبه إطفاء نيران الثائرات …..”. و يقول المختار السوسي في كتابه (خلال جزولة) “ويؤثر عنه كل ما يؤثر عن صوفية ذلك العصر المتموج بالصوفية وهو الذي وقف حتى صفى تركة الشيخ أحمد بن موسى بين أولاده ولعل ذلك خير دليل على أنه عالم لأنه لا يتصدر لمثل ذلك عادة إلا من له باع في العلم ومقدرة على تصفية الفرائض”.
ولد رحمه الله تعالى في القرن العاشر الهجري – لا ندري السنة بالضبط – بضواحي رسموكة اشتوكة بسوس وترعرع في أسرته الأسرة العلمية الدينية الشهيرة الأسرة “ليديرية” التي أنجبت علماء ووجهاء بارزين مشاركين في العلم والقضاء من بينهم العالم العامل المشهور بالفضل والدين والعلم سيدي يحيى بن يدير.
ولما أتقن سيدي محمد بن ايدير حفظ القرآن وعلومه وأتقن العلوم الشرعية واللغوية التي كانت متاحة في عصره، خرج من أجل التعليم والإرشاد والدعوة إلى الله عز وجل، وتوجيه الناس إلى الخير. وكانت له صحبة مع الولي الصالح سيدي أحمد أوموسى دفين تازروالت ومع جميع المشايخ العلماء في المنطقة ، يقول عنه البعقلي في كتابه مناقب البعقلي صفحة17: “له قدم وصحبة مع أكابر أولياء الله تعالى، ومناقبه مشهورة، وفضائله معروفة …..”.
وبعد أن طاف كبريات القبائل بسوس وصل به المطاف إلى بلدة تغلولو التي تتميز بموقع جغرافي بين قبائل عدة كبيرة، وتتميز باحتوائها على العديد من العيون المائية وتضاريس متعددة و طبيعة غناء فريدة، وبعد وصوله إليها (أي إلى تغلولو) أكرمه أفراد جميع القبائل وأحسنوا إليه و أنزلوه المنزلة الرفيعة جزاهم الله كل خير و طلبوا منه أن لا يغادر ”تغلولو” وأن يقوم بمهمـة الصلح كلما ظهر خلاف بينهم و سيوفرون له متطلباته وصار مهيبا عندهم جليلا موقرا عند العامّة والخاصّة.
وبرعاية من الله ثم الإيمان والصبر والخبرة والعقل، استطاع قطع أسباب الضغائن والشحناء، وقطع أسباب الفتن والبغضاء بين أفراد القبائل، وأسس زاويته التي جعلها الله مـركزا لإيصال كلِّ ذي حقٍّ إلى حقِّه ولإصلاح ذات البين وإدخال الرضا على المتخاصمين، وإعادة الوئام إلى المتنازعين.
فقد كان بفضل من الله وحده لا شريك له – قال تعالى : ( ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) سورة الحديد الآية 21، كان صالحا مصلحا، منصفا للنفس من النفس ،مؤلفا للقلوب، يصلح بين المتنازعين والمختلفين من قبيلتين أو قرابتين أو أخوين أو ما أشبه ذلك، عاقلا حكيما متمتعا بسعة الصدر وبُعد النظر مضيقا شقَّة الخلاف والعداوة.
وإلى جانب ما منّ الله به على زاويته وبما أنه من أهل القرءان الذين لا يغفلون عنه ولا ينشغلون عنه أبدا وهم أهل الله و خاصته -روى الإمام أحمد وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ. قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ هُمْ ؟ قَالَ : هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ)- فقد كان المسجد التابع للزاوية مركزا يدرس فيه رحمه الله تعالى القرآن الكريم و العلم الشرعي وقد تخرج منه الكثير من الحفاظ. وظل سيدي محمد بن ايدير ببركة عظيمة وهبه الله إياها ينهض بكل ذلك بكل همة إلى أن توفاه الله في 29 شوال سنة 1012هـــ -1603م .
وقد سار من بعده على هذا النهج القويم أبناؤه الأربعة: *سيدي علي، سيدي ابراهيم * سيدي سعيد * سيدي الحسن*، وواصلوا الدور العظيم الذي كان يقوم به والدهم في بيان الحق و نشر العلم الشرعي ومعالجة القضايا الخلافية و حل النزاعات، و اقتفى أثرهم أبناؤهم واستمروا على نفس النهج ما كلوا وما فتروا وكان من أبرزهم الفقيه مبارك.
وهكذا أصبح القيام بهذا الـدور الـعظيم ورعاية الزاوية والمدرسة العلمية العتيقة مسؤولية متأصلة يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد. وللولي الصالح سيدي محمد بن ايدير ذرية منتشرة داخل المملكة الـمغربية وخارجها، ومحبوه في مختلف بقاع الأرض.
ويعد ضريحه منذ وفاته حتى يومنا هذا مزارا يزوره الناس لطلب البركة و يقام عنده موسم ديني سنوي يطلق عليه “ألموكار نتغلولو”، وزاويته لازالت تـؤدي دورها كمؤسسة للخدمة العلمية والدينية والاجتماعية وإحياء المناسبات الدينية و التذكير بمعانيها. ولا زال تخـرج حفظة القـرآن الكريم من الــمدرسة العلمية العتيقة سنة بعد سنة في تزايد.
رابط قصير: http://www.tighirtnews.com/?p=18769







