لكل منطقة عادات وتقاليد، ولكل عادة زمان ومكان. تعالوا نبحر وإياكم في هذا البحر لنرسو في شاطئ من شواطئه ونكتشف ساحلا من سواحله. فالاحتفالات تختلف باختلاف المناسبات، وأيضا لكل شعب ولكل ثقافة مناسبات وأعياد خاصة. ومن المناسبات التي يحتفل بها رؤوس السنين؛ سواء الهجرية أو الميلادية أو الأمازيغية، فرأس السنة الهجرية يحتفل به المسلمون، فاتح محرم من كل سنة، وذلك اعتبارا لمهاجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. ورأس السنة الميلادية يحتفل به المسيحيون على وجه الخصوص، كل فاتح شهر يناير من كل سنة، احتفاء بميلاد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.

بقلم: رشيد صافي / تغيرت نيوز
أما الأخير؛ والذي هو رأس السنة الأمازيغية؛ فيحتفل به الأمازيغ، يوم الثالث عشر يناير من كل سنة. وطقوس مراسيم هذا الاحتفال تختلف من منطقة إلى أخرى ومن شعب إلى آخر ومن قبيلة إلى أخرى. ولن نذكر نحن إلا نموذجا من هذه الاحتفالات. ولكن قبل ذلك، من أين جاء هذا الاحتفال (الاحتفال برأس السنة الامازيغية)؟، ومنذ متى بدأ التقويم الأمازيغي؟ وما الحدث الذي أدى بالأمازيغ إلى الاحتفال في هذا اليوم؟، وأخيرا كيف يحتفل سكان قبائل إمجاط بهذا اليوم؟.
الثالث عشر يناير من كل سنة، أو المعروف بـ”إيض إيناير”، يحتفل أمازيغ كل منطقة على طقوس وتقاليد وعادات معينة. وقد بدأ هذا منذ زمن بعيد (قبل 30 قرنا)، منذ أن تم العمل بالتقويم الأمازيغي. وقد اعتمد الناس في تقويمهم هذا على تلك المعركة التي خاضها الملك الأمازيغي “شيشونغ” مع الفراعنة، والتي ظفر بها. ومنذ ذاك الحين بدأ الأمازيغ يعتمدون هذا التقويم.
في ليلة الثالث عشر يناير من كل سنة يحتفل كل الأمازيغ بهذه المناسبة، وما “إمجاط” إلا شريحة من هؤلاء المحتفلون بسنتهم الجديدة، ولاحتفالهم هذا طقوس وعادات على غرار كل الشعوب الأمازيغية الأخرى. ورغم أن “إمجاط” قبيلة واحدة، إلا أنها تتفرع إلى قبائل، أو مشايخ، صغيرة فضمنها “تجاجت وأيت كرمون (جماعة النابور)”، و”إدبنيران وأيت همان (جماعة تغيرت) وأيت علي نتاكوت (جماعة إبضر)، وأيت علي لقبلت (جماعة أنفك)، وأخيرا أيت موسى (جماعة بوطروش)…، وكل قبيلة تختلف عن أختها من حيث هذه التقاليد، إلا أن اختلافها طفيف ليس اختلافا كليا، وإنما اختلاف من حيث بعض العادات فقط.
جاءت ليلة رأس السنة وتأهب الناس لتوديع سنتهم واستقبال سنة جديدة وكلهم ينظرون إليها ويتطلعون إليها بعيون أمل وتفاؤل. وعند غروب الشمس وطلوع الغسق تقوم النسوة بإعداد أكلتهم الرئيسية التي يعدونها خصيصا لهذه الليلة، وهذه الأكلة تعد من دقيق الذرة أو الشعير أو القمح، وتحضر هذه الأكلة على النحو التالي:
توضع كمية من الماء والملح وقليل من الزيت النباتي البلدي في قدر فخاري “تِكِينْتْ” على كانون تقليدي “إنْكَانْ” وعندما يغلي القدر تضاف إليه البلبولة، ثم نواة التمر، ثم يترك على النار من الظهر إلى أن تمر عليه ثلاثة نداءات إلى أن يطبخ. وتوضع الأكلة في إناء فخاري “أفْلُّونْ” ويوضع وسطه زيت أركان، أو زيت الزيتون، أو الزبدة.
قبل الشروع في تناول وجبتهم تقوم ربة الأسرة بتحضير 3 لقم، تضع في وسط الأولى قطعة ملح، وفي الثانية حبة زرع، أما في الثالثة فتضع قطعة من الفحم. وتنسب كل واحدة إلى شهر من الأشهر الثلاثة الأولى من السنة، وهي إيناير، وبراير، ومارس. ولا تفتح اللقم إلى في اليوم التالي.
في الأخير تجتمع الأسرة حول مائدة الطعام لتناول وجبتهم “تاكلا” محترمين قواعد العادات التي تنص على أن يأكل كل واحد مما يليه ولا ينبش أو يبحث عن عظم التمر، ومن يحالفه الحظ ويكون هذا العظم من نصيبه فإنه يكون محفوظا طيلة السنة، وكل الماشية والدواجن والزرع تكون له ويتولى أمرها، أو بتعبير آخر يكون سيد البيت بغض النظر عن سنه أو من كفاءته.
يخلد الكل إلى النوم وقلوبهم وعقولهم مع اللقم، إلى أن يبزغ الفجر فيذهبون إلى اللقم، فإن وجدوا لقمة “إيناير” سليمة، والملح لم يذب فإنه سيكون الشهر مطيرا، وإن وجدوا لقمة “براير” سليمة والفحم لم يتحلل فلن يكون شيء، أما الأخيرة، وهي لقمة مارس فإن وجدت حبة الزرع منتفخة فإن الزرع سيكون وفيرا والمردودية ستكون جيدة، وإن وجدت كما وضعت في اللقمة فإنهم لن يحصدوا إلا العناء والتعب.
إخواني، هذا ما استطعنا الإتيان به، فاعذروا نقصنا ونسياننا، وأرجو أن نكون قد رسمنا صورة حول ما يحدث وما يقوم به الناس إبان احتفائهم بسنتهم الأمازيغية الجديدة.
رابط قصير: http://www.tighirtnews.com/?p=17390







