سقط الماء في ركبنا حين قرأنا بيان الداخلية عن وجود داعشي بيننا.. وبدأ الشك والهلع يتسلل إلى موائد إفطارنا في هذا الشهر الفضيل.. حين هاتفني أحد الأصدقاء متسائلا عن صحة الخبر، أجبته ﻻ يمكن لمدينة تمتلك الباراندية أن يتسلل لها فكر داعش.. فهي سور الصين الذي نختبئ خلفه منذ سنين .. ربما أكون حالما أكثر من اللزوم، ولكن أعرف أن المواطن الإفناوي، هو واحد من أذكى ثلاثة مواطنين على سطح كوكب الأرض، الأول هو إنسان الكهف الذي اختبأ بمحض إرادته من الديناصورات، والثاني هو إنسان الغابة الذي خرج من الكهف بعد انقراض الديناصورات، والثالث هو الإفناوي الذي يخرج من كهفه نهارا ليصطدم بالديناصورات بحثا عن طرف الخبز ويختبئ مساء في كهفه لمتابعة ماتشات الجزيرة الرياضية..
سكان هذه الأرض الطيبة لن يستطيعوا العيش في عالم فيه تطرف كريه، وبيانات “جئتكم بالذبح”، وفيديوهات تثبت للعالم كيف جاء الإسلام “بالسيف رحمة للعالمين”. سكان هذه الأرض يربون أطفالهم منذ الصغر على قبول الآخر، وﻻ زلت أذكر في صغري حين كانت أمي تبعثني بإناء الحريرة الرمضانية إلى جارتنا الإسبانية ماري حين يقترب موعد الإفطار، وكنت أفوز بعدها بقطعة شوكوﻻطة وبكلمة كراصياصيا اتو مادري .. وﻻ زال جارنا النصراني مند سنين وإلى الآن يتبرع من ماله الخاص لصباغة مسجد الحي الذي يوقظه كل صباح على نغمة الصلاة خير من النوم.. سكان هذه الأرض الطيبة قد يختلفون في إديولوجياتهم ولكنك تجدهم في المساء يجتمعون في المقهى يناقشون السياسة والحب والمطر. تجد اليساري و اليميني والإسلامي واللا منتمي وحتى التشيباطو والكوباردي يناقشون بحدة تفاصيل شؤون المدينة الصغيرة…
فقد تلقينا ونحن صغار إجابات شافية وكافية عن أسئلتنا الوجودية، فنبتت عقيدتنا صلبة سليمة صحيحة. حين تسأل الكبار وأنت طفل صغير عن وجود الله ﻻ يحدثونك عن المجره وحركه الالكترونات، بل يبداون الكلام معك من كون الطفل (كانسان صغير) معجزه في حد ذاته، في طريقة حياتك، في حواسك، يحدثونك عن مسيرة الطعام بداخلك من المضغ حتي الإخراج، وكيف انها عمليات لا تتم بقرار منك. وحين تسألهم بكل براءة: «أين الله؟» فلا يجيبونك: في السماء، بل يشرحون لك مبكرا أن الله في كل مكان، واقرب إليك كثيرا من السماء، فيساعدونك علي اكتشاف الله في كل شيء يحيط بك، وتشرح لك أمك أن سألتها عن الله، إن الله في كل شيء لأنه خلق كل شيء، وأنه لا مكان محددا له، لأنه أكبر من كل الأماكن في الوجود، إنها فرصه ذهبية تغتنمها الأم ليعرف ابنها أن الله معه في فراشه وفي الفصل ويطل من خلال عينيه علي كل ما يمر به، وهو ينظر من شباك السيارة، الإجابة المختصرة المخلة بأن الله في السماء قد توحي بمرور الوقت باننا في عالمين منفصلين، الطفل علي الأرض والله في السماء، الأمر الذي يجعل الله في عيني الطفل مراقبا من أعلي لما يدور ومتلقيا للدعوات. وعندما تسأل: لماذا لا نرى الله؟ يشرح لك المعلم أو الفقيه أو جارك الكبير بعد أن يطفئ سيجارته، أننا لا نرى الله، ولكن نرى أثاره، مثلا هل تستطيع أن تري الكهرباء بعينيك؟ بالطبع لا، لكنك تستطيع ان تري اثرها فور أن تضغط علي زر الإنارة، ولا بد أن يشرحوا لك أن رؤية الله تحتاج إلي عيون من نوع خاص، سنمتلكها يوم القيامة وأن رؤيه الله في هذه اللحظة هي مكافأة عظيمة أجمل من الجنة، فيكبر الطفل الإفناوي يتتبع اثار الله ليشاهدها في كل شيء ويزرعون بداخله شوقا لأن يحصل علي تلك العيون المميزة يوم القيامة.
وحتى المتطرفون بيننا يعودون بعد خمس سنوات على الأكثر ليمارسوا الإبتسامة وإطلالة البارانديا.. سواء كانوا متطرفون ايديولوجيا ﻻ يؤمنون بالرأي الآخر أو متطرفون في بليتهم ﻻ يؤمنون بضرورة الاعتدال حتى في الخمر والسيجارة المحشوة وغير المحشوة أو متطرفون في الركوع للمخزن ولحس الكابا .. داعش ﻻ مكان لها في إفني لأننا نؤمن أن الله ﻻ يحب الظلم لذلك انقرضت الديناصورات رغم عضلاتها المفتولة وبقيت الفراشات جميلة هشيشة ملونة
لو كانت هناك جائزة نوبل لسعة الخيال لطالبت بمنحها لمدينة سيدي إفني فهي تحيرك بنكهتها وخصوصيتها وقدرتها المدهشة على استخلاص الفرح رغم حرقة القلب. الإفناوي خلقه الله كائنا متسائلا ومسلحا بما وراء الخبر.. الإفناوي يعرف من يبيع القرد ويعرف من يضحك على موﻻه، فداعش وقبلها تنظيمات تم صنعها في مختبرات المخابرات وصُممت وبُرمجت لأداء أدوار معينة تحقيقا لأهداف محددة سلفا، حتى إذا أنهت مَهمتها، أو زاغت عن المسار المرسوم لها، فُجرت من الداخل، وإلا صُنفت خطرا داهما على الاستقرار العالمي، استقرار عالمي لا يعني غير المصالح الحيوية للجهات المُصَنِّعة للتطرف..
احْدِث تنظيم “داعش” ومُوّل وسُلح، ولما انقلب السحر على الساحر، صُنّف تنظيما إرهابيا مهددا للأمن العالمي. من موّل هذا التنظيم؟ كيف تهيكل بهذه السرعة وأضحى يضاهي جيشا نظاميا مدعوما أمريكيا؟ كيف تكاثر مقاتلوه وتجمعوا من أصقاع بعيدة؟ أية شبكة هذه التي اعتمدها هذا التنظيم الفتيّ لجمع الأموال والسلاح؟ من يقف وراء كل هذا؟ فقبل تجريم الالتحاق بتنظيم “داعش”، وجب البحث والتدقيق في صُناع هذه التنظيمات والذين يقفون وراء الستار وفضح نواياهم. سيدي إفني ستظل كل صباح تطل على المحيط الأطلسي تتمعن في زرقة هذا الكائن الذي يسبح الله وهو يمنحنا الدفء والسمك وأحلام الهجرة السرية .. نعرف أنه من حقنا أن نحلم ونتمنى، ونسعى إلى تحقيق أحلامنا. لكن، من واجبنا تذكير بعضنا بأن الحرب على أعداء الحياة لن ينتصر فيها إلا الذين يحترمون الحياة.
بقلم الكاتب: محمد أنفلوس
رابط قصير: http://www.tighirtnews.com/?p=12753







