في البداية أود أن أشير إلى نقطة مهمة، أي أن الترجمة تعتبر من جهة علما قائما بذاته وهو ما يسمى “علم الترجمة” الذي يندرج ضمن العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهو ما يحبذ البعض أن يطلق عليه “دراسات الترجمة”، لأنه في نظرهم لا يرتقي بعد إلى مستوى العلوم المذكورة، إلا أنه يتوافر على جل المقومات التي تجعله صنفا أخر إلى جانب تلك العلوم، وقد ظهر في سنوات الستينيات والسبعينيات بعد أن كان نتيجة لتراكمات اللسانيات الحديثة “اللسانيات البنيوية واللسانيات التوليدية”؛ إذ يهتم هذا العلم بدراسة الفعل الترجمي والتنظير له أي التعبير على المشاكل والعوائق التي تواجه المترجم أثناء مزاولته للنشاط الترجمي.
ومن جهة أخرى تعتبر الترجمة ممارسة وفعلا يرتكز على نقل المعنى من لغة الانطلاق إلى اللغة الهدف كما أشار “جون سي كاتفورد1965” “تغيير مادة نصية بمادة نصية في لغة أخرى” (انظر نظرية الترجمة من منظور لغوي)، أي أن “المدلول” يبقى هو فيما يتغير “الدال” كما أنها لا تدل فقط عن النقل بل إعادة إنتاج ذاك المعنى في اللغة الثانية.
ويمكن تقسيم الترجمة من حيث وظيفتها إلى صنفين، الترجمة المهنية أو الوظيفية وهي التي تتمثل مثلا في “الترجمة القانونية”، والصنف الثاني وهو الترجمة الإبداعية أي ترجمة الأدب والكتب الفكرية التي يجد فيها ممارسها حرية أكثر من الأولى.
فما يهمنا في هذه المقالة هو إبراز العلاقة بين الأمازيغية والترجمة عبر تسليط الضوء على عدة جوانب؛ فباعتبار الترجمة ممارسة يمكن أن نجزم بأن الأمازيغ يمارسونها بشكل يومي، حيث أنهم يتواجدون في وطن خاصيته الأساسية هذا اليوم هي التعدد اللغوي واللسني، أي أن الوضعية اللغوية فيه معقدة إذ تتقاطع فيها اللغات سواء منها الوطنية أو الأجنبية، لدى تغدو الترجمة ممارسة شفوية غير متوقفة.
ومن خلال هذه الوضعية يبدو الأمازيغي محاطا بترسانة كبيرة من الإعلام الناطق بمختلف اللغات “الدارجة واللغة العربية والفرنسية …” وعلى هذا الأساس، عند رغبته في فك طلاسم الرسالة الإعلامية وفهمها أو نقلها إلى أناس لا يفهمون “لغة تلك الرسالة” يجد نفسه مجبرا على إعادة إنتاجها في لغته الأم أي الأمازيغية؛ لدى فالواقع المغربي هو حالة ترجمية بامتياز، إلا أن هذه الممارسة لم ترقى بعد إلى مستوى الكتابة.
كما تجدر الإشارة في الصدد نفسه إلى أن الأمازيغ قد مارسوا الترجمة عبر التاريخ، وإن لم تكن بمعناها المألوف والمعتاد، فهي نقل وترجمة الواقع والقضايا الأمازيغية للغات أخرى، وحري بنا أن نذكر هنا، كتابات “أفولاي و أغوستين وصولا إلى محمد خير الدين و كاتب ياسين …” والعديد من الكتاب الذين أبدعوا بألسن الغير.
وقد أضحت الترجمة “الفعلية” اليوم ذات أهمية بالغة، سواءً منها الإبداعية التي شرع فيها بعض الكتاب الأمازيغ، “محمد أكوناضص وصمحمد أوسوس” و”العربي موموش” و”أحمد الدغرني” … عبر ترجمتهم لبعض الأعمال الأدبية العالمية، أو المهنية التي لم تر الضوء الأخضر إلى حدود كتابة هذه الأسطر، نظرا لارتباطها بالإرادة السياسية في البلاد من جهة ومن جهة أخرى لاقتضاء هذا النوع من الترجمة التوافر على إرث ترجمي متراكم كالترجمة القانونية على سبيل المثال.
إن الأهمية التي تكتسيها الترجمة فريدة نظرا لعدة اعتبارات، نذكر منها، تلك التي تحدث عنها الباحث الإسرائيلي ” إيتمر إيفن زوهار 1978″، وتتمثل ذات الأهمية في تطوير الثقافة الهدف أو الثقافة التي تستقبل النص المترجم، وتطور على وجه الخصوص اللغة باعتبارها إحدى النظم المكونة لأي ثقافة (انظر النظرية متعددة النظم)، والسؤال المطروح هنا، هو كيف يمكن للترجمة كنشاط لساني أن يطور الثقافة واللغة الأمازيغية خصوصا باعتبارها موضوع هذه المقالة؟.
حينما تحدث هذا الباحث الذي أسلفت ذكره حول دور الترجمة في تطوير الثقافات فهو قسّم الثقافات إلى صنفين، “الثقافات الناشئة” أي ثقافات العالم الثالث والبلدان التي تعاني من الأزمات، وبالخصوص الثقافة التي يشتغل عليها، أما الصنف الثاني فهو يشمل “الثقافات القوية” أي الثقافات الأوروبية كالثقافة البريطانية والفرنسية والروسية (انظر النظرية متعددة النظم).
لدى فالفائدة التي ستجنيها ذات الثقافات الناشئة من الترجمة تتجلى في إدخال “القواعد الأدبية” على سبيل المثال إليها سواءً منها القديمة أو الحديثة، إذ تفرض على المترجم أن يأصلها ويُبيِّتها بالإضافة إلى تطوير الكتابة، وستكتسبها انطلاقا من احتكاكها بالثقافات القوية، من خلال إيجاد مكافئات و مقابلات أخرى في اللغة الهدف من هنا نلتقط اللمسة التي تضفيها الترجمة على ذات اللغة، ومن هنا أيضا يمكن القول أن الأمازيغية (دون أن يدل هذا طبعا عن اعتبارها ثقافة ولغة ناشئتين) ستستفيد الكثير انطلاقا من الترجمة وانطلاقا من احتكاكها باللغات.
فكما أشرت، أضحت الترجمة من وإلى الأمازيغية ضرورة حقيقية من أجل الانفتاح على الحضارات ومن أجل فتح نافذة هذا المنزل العريق للتهوية والحوار مع الثقافات الإنسانية. إلا أن هذه الفكرة غالبا ما تصطدم مع الواقع الحالي للأمازيغية هوية ولغة، إذ لم تجد بعد طريقها نحو التعليم والإعلام والمؤسسات العمومية الأخرى؛ إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون عائقا أمام ذوي الإرادات الحسنة القوية لتطوير هذه اللغة، والأمر يتعلق هنا بالأساتذة والباحثين وبطلبة الدراسات الأمازيغية الذين يتعين عليهم النضال من أجل فتح مسارات للترجمة الأمازيغية سواء في مسالك الإجازة أو الماستر.
بقلم: رشيد البهاوي / “تِغِيرْتْ نْيُوزْ“
رابط قصير: http://www.tighirtnews.com/?p=11529








أقدم نشطاء أمازيغ على إطلاق حملة لجمع التوقيعات، من على موقع العرائض الرقمية “آفاز”، لمطالبة شركة Google العالمية بتوفير اللغة الامازيغية ضمن خدمات الترجمة التي توفرها Google Translation.ضدا في العربوش سنوقع موتو بغيضكم ايها العرابيش
أكتب تعليقك