الرئيسية » سياسة ومجتمع »

أجكان… أو عندما يعتدي الرعاة الرحل على النسل والحرث

لم يكن كلام ساكنة هذه الدواوير شيء سهلا بالرغم من حجم معاناتهم وآلامهم التي يتجرعونها صباح كل يوم وكأن القدر حكم عليهم أن يتعايشوا مع استفزازات الغريب، الحديث إلى أي ضيف طل عليهم لا يمكن أن يتجاوز عبارات الترحيب والضيافة ثم إكرامه بما جاد الله من فضله الواسع عليهم.

aaجماعة “تابيا” بقيادة “ايت عبد الله” التابعة لدائرة “اغرم” عمالة “تارودانت” تضم عشرات الدواوير المتناثرة بين فجاج الجبال وبعضها في الهضاب، لا يتجاوز كل دوار منهم عشرات المنازل الطينية القديمة.

طريق الوصول إليهم جد صعبة، وهي غير معبدة حجارتها المتناثرة على طول الطريق حادة وقاسية قسوة الزمان عليهم، فالسيارات الخفيفة لا يمكن لها ولوج دواوير جماعة “تابيا” التي تعني الوسط.

جماعة تتميز بشيخوخة الساكنة فلا تجد في معظم الدواوير غير الطاعنين في السن، أما الشباب فهاجروا قبل أن يهجروا في غياب أبسط متطلبات شروط العيش الكريم.

إعداد: ياسر الخلفي

الخوف من الكلام

“دوار ارييض” كان نقطة الانطلاقة لمعرفة حقيقة اعتداءات الرحل على ساكنة قرية “تابيا”، الحسين رجل في عقده الستين أو يتجاوزه بسنوات سألناه عن موضوعنا فرفض الإجابة عن أسألتنا دون إعطاءه ضمانات لحمايته بعد رحيلنا لأن الرعاة الصحراويين كما وصفهم سيبحثون عن سبب تواجدنا وسيعنفونه لا محالة إذا اشتكى منهم لزوار كيفما كان نوعهم وصفاتهم وألقابهم.

DSC_0188يرجع الحسين سبب الهجومات والاعتداءات اليومية الروتينية إلى سكان “اشتوكة آيت بها” اللذين خصصوا لهم ما يتعدى عشرين إقامة لسكنهم وأغنامهم، مما جعل جبال جماعة “أتابيا” قريبا لرعيهم طول اليوم دون احترام أراضي وممتلكات الغير.

موت محقق

لا تتعدى مصادر عيش القرية ما جنوه من أشجار الأركان واللوز الذي لا يستفيد منه أصحابه غير ربع واحد من ما سيجنيه العامل الذي يستحوذ على ثلاثة أرباع أخرى من المحصول، ولا يمكن لصاحب الحق أن يتفاوض على أكثر من الربع حتى لا يغتصب العامل الغريب كل شيء في تحد للقانون الوضعي، وأعراف الساكنة القروية المغلوبة على أمرها.
ولا تتوقف الاعتداءات عند هذا الحد بل تتعداه إلى الدخول إلى أراضيهم وأكل أغنامهم للمحصول الزراعي والعبث بالأوراق المثمرة، وشجيرات الصبار التي كانوا يستفيدون منها في أحايين كثيرة إلى أن كل ذلك أصبح الآن ضربا من الخيال.

كما لا يتردد الرعاة في استغلال المخزون المائي الخاص بالساكنة، بل يصل حد إفراغ “المطفيات” بالمحرك الآلي وترك مصير العائلات في المجهول للبحث عن من يعيد ملئها بمئات الدراهم هم في حاجة إليها إن وجدت بطبيعة الحال، في حين تتسم الفرشة المائية بالانعدام صرفت الساكنة عليها أكثر من 70 ألف درهم للبحث عنها دون جدوى .

الرعاة الطغاةDSC_0248

يعمل الرعاة الرحل وفق خطة استراتيجية لا يمكن لهم الخروج عنها أو خرقها ولو لساعة واحدة، ينضبطون في مراقبة جميع منافذ الطرق في أقصى أعالي الجبال ويتواصلون فيما بينهم بالاتصالات الهاتفية كلما أحس أحدهم بتحركات تثير الشكوك وتهدد رعيهم واحتلالهم لأراضي الغير.

لا يمكن الاقتراب منهم للحديث معهم لأن السمة الطابعة على تصرفاتهم وتواصلهم مع أي كان الحدة والميل للشجار كما أن في اتحادهم وخبرتهم بشعاب الطريق وممرات الجبال جعلهم يستأسدون على الساكنة القروية ويحتجزون أيا كان فيهم عند نهيهم لهم بالدخول إلى أرضه والاعتداء عليها.

لله الأمر

الحسين الذي يملك وعائلته 13735 شجرة من الأركان واللوز ورثها من آباءه وأجداده يصرخ ملء فاه أنها ضاعت جميعها، كما أن 6 مطفيات حفرها أجداده أفرغها الرعاة الرحل ولم يتبقى له إلا مناجاة الرحمان، بعد عشرات الشكايات والوقفات الاحتجاجية المتكررة التي طالبت عامل عمالة تارودانت بالتدخل لوقف أفعال تعود إلى قانون الغاب إلا أن طلباتهم لم تجد صداها منذ عشرات الشهور حتى أصبحوا يتعايشون معها.

وبات شيوخ القرية في حديثهم يسخرون من كل الشكايات والتعرضات التي وجهوها إلى عامل تارودانت الذي أرسل لهم أحد أعوان السلطة نيابة عنه، متأكدين أنه لا يعرف أين يتواجدون.

قصص المعاناةDSC_0270

لم تتوقف اعتداءات الرعاة الرحل عند الاعتداء على المغروسات والماء، بل وصل إلى اللفظي والجسدي، بأمازيغية حزينة كان شيخ يسرد واقعة اعتداء الرعاة الرحل عليه وهم ملثمين، حيث يقول “وأنا عائد من السوق الأسبوعي أنزلوني من فوق دابتي واعتدوا علي ضربا وأخذوا كل ما الأغراض والمشتريات التي أحتاجها مدة أسبوع كانوا ملثمين، لم يرحموا طعني في السن ولا قلة حيلتي وفقري، الغريب أن قيمة ما اغتصبوه مني لا يتجاوز 80 درهما، وعندما أردت التبليغ عنهم عند السلطات تتطلب مني يوما كاملا ومبلغ 150 درهم واجب التنقل، وفي النهاية ضاع حقي ولم استرجعه إلى الآن”.

في مقابل ذلك يسخر آخر من أحد جواباتهم (الرعاة الرحل)، لدى أمرهم بالابتعاد عن أرضه، وسألوه ” هل المستوطنين يطردون أصحاب الأرض؟” في إشارة إلى أن الساكنة هم المستوطنين.

تصل الاعتداءات على الساكنة إلى فرض الحصار عليهم ومنعهم من الخروج في مشهد خارج عن المألوف تجرمه الطبيعة البشرية والقانونية، كما أن حرمة المقابر تنتهك دون حسيب أو رقيب أو احترام لرب العباد حيث معظم الشواهد حطمت وهدمت بأظلاف الجمال وأقدام البهائم.

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك