بقلم الإعلامي: بوشطارت عبدالله / “تِغِيرْتْ نْيُوزْ“
وَصَلَ المهندس “فيرناند” إلى دوار “تَاسْرِيرْتْ”، الذي يقع على الحافة الجنوبية لتخوم وادنون. فأنزله أهل الدوار منزلا على هضبة تلية تطل على وادي “فسيح”، تنتشر البيوت الطينية على طرفيه، والدوار في الأصل عبارة عن واحة حلزونية خلابة. اسمه الكامل “فرناند موس” يبلغ من العمر حوالي 54 سنة، كان يشتغل في الهندسة الزراعية بجنوب ألمانيا. بعد 20 سنة من العمل انضم إلى “جمعية عالمية” تطوعية تقوم بدراسات ميدانية، وحملات تحسيسية وتوعوية في البلدان النامية حول مخاطر التغيرات المناخية والمشاكل البيئية المحدقة.
اختار “فِرْنَانْد مُوسْ” المغرب باعتباره بلدا قريبا من أوروبا، يعرف نموا تصاعديا في مجالات متعددة كما يعاني مشاكل بيئية حقيقية بل وخطيرة. وبعد بحثه الأولي استقر اختياره على المناطق الجنوبية التي توجد على خطوط التماس مع الصحراء. بعد مرور سنة كاملة على استقرار “فرناند” في هذا الدوار الواحي الجنوبي المهمش، استطاع تعلم اللغة الامازيغية وتشبع بثقافتها واكتشف أسرار منظومة عيش السكان، وأصبح واحدا منهم. تغيرت نظرة هذا المهندس لهؤلاء الناس البسطاء، وأخذ صورةً حقيقيةً قريبة لحيَوَاتِهم. وفكر في مراسلة المنظمة التي ينتمي إليها ويشتغل فيها تطوعا في ألمانيا. وجاء خطاب فرناند موس لزملائه في المنظمة الألمانية، كما يلي:
“تحية حارة من صحراء المغرب، إلى كل الرفاق في منظمتنا العتيدة، أحيي فيكم روح التضامن، التطوع والتضحية من أجل عالم سليم وبيئة نظيفة.
لا أخفي عليكم مدى شعوري بالسعادة والاطمئنان اللذان يغمران وجداني، وأنا بين ظهراني سكان بسطاء في دوار شبه صحراوي بجنوب المغرب. لكي لا أطيل عليكم أريد أن أتقاسم معكم بعض الأشياء الجميلة التي اكتشفتها وتذوقتها هنا، وتلتقي مع روح منظمتنا بل تشكل دعائما وأسسها، وهي نفس الأهداف والمبادئ التي نسعى إلى نشرها في العالم لإنقاذ البشرية من سيول الحداثة الجارفة والفردانية القاتلة. وأختصر لكم أهم هذه المعالم الثقافية الدفينة التي مازالت تمثل عصب الحياة في هذه الأصقاع؛
تِيوِزِي:
صادف وصولي إلى هذه المنطقة نهاية فصل الربيع وبداية فصل الصيف، وهي الفترة التي تكثر فيها الدينامية والحيوية لدى السكان، ويبوح المجتمع بكل أسراره. من بينها ما يسمونه هنا بـ”تيوزي”، وهي كلمة باللغة الأمازيغية التي يتحدث بها السكان، ولا يعرفون سواها، “تيوزي” أيها الزملاء، فعل تضامني وطقس اجتماعي فريد لم أشهد مثله قط وانأ زائر لكل بلدان العالم. لقد رأيت خروج الرجال والنساء والشباب في الصباح إلى الحقول لحصاد الزرع، تسألت لماذا يخرجون جماعة هكذا؛ وعرفت أنهم يحصدون زرع أحدهم ثم يتناوبون على الحقول الأخرى. يتكلف صاحب الحقل فقط بإعداد الوجبات الغذائية للجماعة. ولم يكن هذا العمل الجماعي التطوعي في الحصاد فحسب، وإنما هو معتمد في جميع الأشغال التي تهم العموم كشق الطرق وغيرها.
تَاَناسْتْ:
توجد في هذا الدوار عين تتدفق بالمياه، تسمى “تاغبالوت”، أي عين الماء الجارية بلغتهم الأصلية. ولكم أن تتصوروا كيف يتم توزيع حصص الماء على أزيد من 150 عائلة بالتساوي عبر إناء صغير مصنوع من حديد يسمى “تناست”. حيث يتم احترام التوزيع بالتوقيت بدقة متناهية، وهي طريقة فيها عدل واحترام للحقوق الجماعية. وحدثوني بعض الشيوخ عن هذا العرف الذي يسمى “أزرف” وهو قديم جدا، كما استفدت منهم أشياء كثيرة حول مميزات هذا القانون الوضعي في السلم الاجتماعي وتربية الأجيال على حسن تدبير الماء. أو ما يعرف حاليا باقتصاد الماء.
أَكْدَالْ:
هو عرف كذلك يعني “الوقف والحبس” يهم الأرض والأشجار المثمرة والغابات وحتى المياه في بعض الأحيان، وقد استغربت حينما أخبروني أن من بين أهداف هذا العرف ليس فقط تقنين وتنظيم الانتفاع والانتجاع وإنما أيضا الحفاظ على البيئة وعدم إتلاف الغابات عن طريق الإفراط في الرعي الجائر والأنشطة الزراعية الأخرى. وهذا ما يبين بالملموس الوعي الايكولوجي لدى الناس. وهو وعي توارثه عبر الأجيال منذ أزمنة غابرة. حيث تصنع جل الأشياء التي يستعملها الناس في حياتهم اليومية من منتجات بيئتهم الطبيعية، كالحقائب والأكياس التي تستعمل في الأشغال المنزلية والتسوق تنسج من أوراق الجريد، والقصب وغيرها.
تَاوَالاَ:
في وسط هذه الواحة الصغيرة، يوجد مسجد تصلى فيه الصلوات الخمس، ينادي المؤذن ويلتحق من يريد الصلاة جماعة بالمسجد، وقد لاحظت البساطة والمرونة في الحياة الدينية. فأقرب الناس القاطنين بقرب من المسجد لا يصلون داخله جماعة، ولا يلتزمون بتوقيتها. جميع السكان يتناوبون على إرسال الطعام لإمام المسجد يسمونه “الطَّالبْ”. بالدرجة التي يحترمونه ويوقرونه فهو لا يتدخل في أمورهم الخاصة، وليس له أي قرار في طريقة تدبير “لْجْمَاعْتْ” لشؤون الدوار.
وقد يسألني أحدكم عن مستقبل هذه الحضارة وقيمها لدى الأجيال القادمة، وذلك ما فكرت فيه كثيرا، وأرقني بشدة. ولكن لابد أن أسرد لكم قصة باختصار إن سمحتم.
ذات يوم كنت في المدينة لقضاء بعض الأمور الشخصية، وبعد عودتي في المساء إلى “تاسريرت” اتجهت صوب ملعب صغير يجتمع فيه الأطفال للعب واللهو، وتركت لهم بعض الحلويات والألعاب في مكان غير بعيد عنهم، وأخبرتهم بمكانها. وكان هدفي هو رصد رد فعل هؤلاء الصغار، وتفاجأت حيث رأيتهم يتمهلون ويمشون ببطء وهم يلعبون في الطريق في اتجاه تلك الأكياس التي فيها بعض من الحلويات والهدايا البسيطة.
وحين سألتهم لماذا لا تجرون بسرعة وتتسابقون إليها؟، أجابوني أنهم في نهاية المطاف سنقوم بتوزيع تلك الأشياء قسطا وعدلا فيما بيننا، فلا داعي للتسابق والعراك.
أعتذر لكم أيها الرفاق والرفيقات، عن هذه الإطالة وقد تعمدت التلخيص والتركيز، واقترح على منظمتنا زيارة إلى هذه المناطق للاستفادة من قيم هذه الثقافة الدفينة، من أجل بلورتها في مشاريع التضامن والعمل الجماعي وترسيخ ثقافة بيئية سليمة في باقي بلدان العالم.
تاسريرت- 20 ابريل 2015.
رابط قصير: http://www.tighirtnews.com/?p=10981







