
التنوع الثقافي بجهة أكلميم واد نون …
عندما يتم الحديث عن التنمية، يجب ألا يكون الأمر حكراً على جانب أو قطاع معين يؤخذ بعين الاعتبار في قياس مؤشر الإقلاع التنموي بمنطقة أو جهة معينة. ويصح الجزم بأن أي إغفال لأي مجال من مجالات الشأن العام في مسايرة ركب التنمية، إنما هو تقصير في حقه. فالتنمية لا تقبل التجزئة ولا تحتمل ترجيح كفة قطاع على حساب آخر حد الغلو … وما يعانيه التنوع الثقافي بجهة كلميم واد نون من تهميش وإقصاء وتأخر واضح وفاضح في مسايرة ركب التنمية دليل على سياسة الميز الثقافي الذي يواجه به مكون ثقافي عريق جداً .. هذا الميز أو هذا التأخر وإن كان متعمداً وللأسف، فإنه يزكي جور وتعنت البعض ضد تكريس ثقافة الحقوق الثقافية والهوياتية بهاته الجهة المكلومة. جهة الصراعات ومحط تصفية الحسابات السياسية على حساب الفئات الهشة المغلوبة على أمرها.
والحديث هنا لا يتمحور فقط حول جهة أكلميم كمجلس أو كمؤسسة عمومية، وإنما حول المجال الترابي للجهة بأكمله، من جماعات ترابية ومجالس إقليمية، بل وحتى من جمعيات المجتمع المدني، ومناسبة الحديث في هذا الموضوع هو ما تعرضت له الثقافة الأمازيغية من حكرة وتهميش قذفت بها نسبياً خارج الملتقيات الثقافية والفكرية من مهرجانات وأسابيع ثقافية تبوأت فيه اللغة الأمازيغية دور ثانوي محدود جداً، وذلك بفعل نية القائمين على هاته الملتقيات والمناسبات الثقافية غير المبنية على أساس، وكذا لا مبالاتهم وجهلهم أن لا تنمية جهوية محققة إلا بتنمية ثقافية حقوقية تضمن للإنسان الأمازيغي وجوده على النفوذ الترابي للجهة أولا، وتحفظ حقوقه وكرامته بشكل يرى به في أي ملتقى فكري ثقافي أو فرجوي ذاته وكينونته.
ما تعرضت له الأمازيغية في الجهة من إقبار يوحي بأنها لم تتقدم قيد أنملة في الحفاظ على مكتسبات دستور 2011، بل عاشت على إثرها على نغمات التعريب المستمر منذ عقود من الزمن، ولعل ما لحق بـ”ألموكار أكناري” بسيدي إفني لخير ملخص للوضعية لما آثر منظموه تغيير الإسم وتعريبه إلى مهرجان الصبار وتغييب شامل لـ”تيفيناغ” في الإشهار والتنشيط واللافتات ووو، وبالتالي خطوتين للوراء يحسب للقائمين عليه.
نفس الأمر ينطبق على أسبوع الجمل الذي يصح فيه المثل الأمازيغي “”كُولْمَا يْكْرْزْ أورَامْ يُوضْرْتْ”، ذلك ما قاموا به في أكلميم، وهو أسبوع ثقافي أول ما يثيرك فيه هو شعاره وشكل إشهاره وبرنامجه الذي غيب هو الآخر ثقافة وحرف تيفيناغ في شكل يوحي بتجاهل المنظمين لهذا المكون الثقافي العريق، رغم إدراجهم لبعض الروايس والشعراء الأمازيغ في إطار ما دأبوا عليه من فلكلورة الأمازيغية كما هو الحال لمدد من الزمن.
هو أسبوع جعل آخر اهتمامه هو احترام التعدد الثقافي للجهة وأخذ ثقافة الأغلبية الساحقة لساكنتها بعين الاعتبار رغم الترويج الكبير له من طرف البعض والتطبيل لفقراته التي اعتبروها من الفردانية بمكان، وهو ما لم يتوفر فيه لعدم احترام التعدد الثقافي وإدراج فقرات نوعية ترقى به لمصاف الملتقيات الثقافية الكبرى رغم ندرة الأخيرة. مهرجان قوافل كذلك بالإضافة إلى العديد من المهرجانات الثقافية الصغيرة بالجهة، كأننا أمام شرط تغييب الثقافة الأمازيغية لتوفير السيولة والدعم من المجالس.
أما موسم طانطان فحدث ولا حرج حيث الطمس الكامل لهوية الأمازيغ وعكسه للمتلقي كأنه قرية كرنفال بالجزيرة العربية بأنشطته المستوحاة من ثقافة تلك المنطقة المشرقية بجمالها وبعيرها وسياراتها الفخمة وأعلام الإمارات، إذ ينقصه فقط البث المباشر في قناة خليجية غير معروفة. أما الاعتراف بالمكون الأمازيغي في هذا المهرجان فهو غير وارد أصلا، في تغطية هامة للإعلام العمومي، واجتهاده في ذلك قل نظيره إرضاء لدول “البترودولار” وادعاء الزور بوجود قواسم مشتركة بيننا وبينهم، بيد أن الأمر في حقيقته لا يعدو أن تكون استعماراً وطمساً لهوية الشعب الأصلي، اجتهد أصحاب النفوذ في تنزيله ونجحوا في ذلك..
إن الوضعية الحقوقية في الجهات الصحراوية الثلاث ومنها الحقوق الثقافية واللغوية على الخصوص، تعيش وضعاً لا تحسد عليه، بدأ بتكريس الثقافة الواحدة واللغة الواحدة التي هي اللغة والثقافة العربية في وضع مخالف تماما لما جاء في الدستور من احترام للتعدد الثقافي لكل مكونات الشعب المغربي. وأن إقبار الأمازيغية في هاته الجهات يتكرر دوما ولسنوات عديدة، وكل هذا والقائمين على الشأن العام غير مبالين أو بالأحرى متجاهلين للأمر، ولا يولوه أي اهتمام رغم استمرار المطالبات والمناشدات باحترام التعددية الثقافية من طرف الوطنيين والحقوقيين والديمقراطيين والحركة الأمازيغية وعموم الأمازيغ بالمغرب الذين لهم غيرة على هذا الوطن وعلى الثقافة الأمازيغية المهددة بالاندثار، والذين لن يدخروا أي جهد في سبيل نصرتها.
ما تم الحديث هنا هو غيض من فيض، هو جانب فقط من عدم احترام التعددية الثقافية والمتعلق بالأنشطة الثقافية بالجهة … وإن احترام وتقدير ثقافة الآخر المختلف عنا هو بحد ذاته خطوة نحو الأمام ..
أحمد لركون: رئيس منظمة تماينوت فرع بوطروش إقليم سيدي إفني
رابط قصير: https://www.tighirtnews.com/?p=40890







