الرئيسية » أغراس أغراس » كلشي باين »

“حمورابية” قانون الصحافة الجديد بالمغرب

يكتبه: ياسين تمام

تعتبر شريعة ” حمورابى” من أتم القوانين و أقدمها المسجلة على مر التاريخ، حيث استعملت أول مرة في سنة 1790 ق.م في منطقة بين النهرين بالتحديد في بابل (العراق)، وهي مقسمة على 282 مادة تعالج كل مشاكل الحياة من خلال معاقبة المخطئ وتعويض المتضرر مع تحديد واجبات الأفراد وحقوقهم داخل المجتمع، لكن ما يعاب على هذه القوانين أنها نتاج فقط لمبدأ أو فلسفة (العين بالعين و السن بالسن) الشيء الذي جعل عقوباتها ثقيلة بل وحتى متوحشة وهمجية في بعض الأحيان، حيث أنها كانت في ذلك الوقت حاجزا للتقدم في حل خلافات الناس بشكل متحضر.

لكن مع تقدم الشعوب و تحضرها أصبحت هذه الأخيرة ميالة أكثر إلى مبادئ حقوق الإنسان وتراعي في سن أحكامها وقوانينها الجانب الاقتصادي و الاجتماعي لساكنتها خصوصا مع التطور الكبير و الحداثة الذي عرفه تعاقب الحضارات، ولعل من بين التراكمات التي خلفها التاريخ التشريع الذي يقول: “لا رجعية للقانون” وهو ما يفسر، حسب أهل الاختصاص ، على أن القوانين تطبق بأثر فوري ولا رجعية لها.

و هنا يحضرني كلام يكتب بماء الذهب للأستاذ عبد الوافي الحراق في إحدى المداخلات، في إطار التنسيقية الوطنية للصحافة و الإعلام الرقمي، حيث قال: “تصوروا معي لو أن رجلا بنى بيتا في إطار الشروط القانونية وبعد مدة صدر قانون جديد فهل سيلائم بيته مع هذا التشريع المحدث؟؟ أم سيتم هدم بيته؟؟؟ هل سيتم هدم البيت و إعادة بناءه في كل مرة تصدر مسطرة جديدة؟؟؟ بالله عليكم هل من عاقل يقول بهذا الهراء؟؟؟”،

بكل بساطة نسقط كلام أستاذنا العزيز على الصحافة، وأخص بالذكر الإلكترونية التي استطاعت في ظرف وجيز أن تشق طريقها في وسط الجرائد الورقية وبموجب قوانين استحدثت لتأطيرها ، كما أنها كانت سببا مباشرا في إنعاش سوق الشغل لدى الشباب الذي عنده قريحة للكتابة حيث أحدث أكثر من 5000 منصب شغل لكن للأسف الشديد فإن مدونة الصحافة ارتأت بكل سهولة أن تهدم البيت على أصحابه لملاءمته مع القانون الجديد، هل هذا إنصاف في نظركم؟؟.

إن سن القوانين لا يكون ذو طابع عمودي ولكنه يكون في إطار مقاربة تشاركية مع مختلف المتدخلين في هذا القطاع، فالصحافة ونقل المعلومة ليست حكرا على ممتهنيها فقط وهي أصلا ليست مهنة في تعريفها هي فقط “مهمة” لكل من أراد الاشتغال بها، ووجد فيها متنفسا لتعبير عن رأيه بشكل محايد ومنطقي وهي كذلك إبداع الهدف منه تنوير عقول الرأي العام دون تزيف للحقائق وتزوير للوقائع.

إن محاولة حصر الصحافة في مجموعة من الأفراد ،المهنيين على حد تعبيرهم، و جعلها مهنة للاسترزاق وإشراك “الباطرونا” وأصحاب رؤوس الأموال بها، وكذلك التشديد على البطاقة والإجازة و غيرها من الشروط التعجيزية في التأسيس التي لا علاقة لها بمجال الصحافة يعد ردة حقوقية و دستورية، حيث تضرب في الأساس قانون حرية التعبير وكذلك عدم رجعية القوانين.

لا يمكن لعاقل أن يقول بأن الحقل الصحافي الحالي إلكتروني وورقي “نقي” مئة بالمئة، ولكن لا يجب كذلك أن نلقي كل اللوم على ما تم استحداثه من تكنولوجيا، فهذا هو الخطأ بأم عينه، فالإشاعات والأخبار الزائفة “fukenews” ليست وليدة اليوم بل هي موجودة منذ قرون أما أن نسكت الأفواه لمجرد أغلاط حفنة من أشباه الصحافين الذين غرضهم الوحيد هو “buzz” فهذا ضرب من الخيال فكما هو معلوم “لا يعمم إلا الأغبياء”، بل كان من الواجب فقط تغليض العقوبات في حق مرتكبي هذه الأفعال وليس إقبار الجميع بجرة قلم.

رسالتي إلى المسؤولين عن سن هذا القانون المجحف راجعوا أوراقكم و قوانينكم و لا تكونوا حمورابين في اتخاذ قرارتكم (قوانين عبارة عن مجرد ردود أفعال لا تراعي في سنها كل المبادئ و لقيم المستحدثة عبر التاريخ)، كما يجب إعادة النظر في شروط تطبيق القانون والسهر على تكوين من له رغبة في ولوج هذا القطاع، مع تسهيل مساطير الحصول على “المهنية” على الرغم من عدم اتفاقي أساسا مع هذا المصطلح ، كما أدعوا كافة المنظمات الحقوقية للوقوف جنبا إلى جنب في صفوف هذه المواقع المتضررة والتي ليس لها ذنب سوى نقل الحقائق كما هي دون الخضوع لرقابة و لكن بتأطير قانوني. ختاما يقول ستفن كوفي: “معظم الناس لا يستمعون بغرض الفهم، ولكن يستمعون بهدف الرد فقط.

 

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك