الرئيسية » سياسة ومجتمع »

قراءة في سياقات الانتخابات الجزئية 2017 بسيدي إفني

نحاول في هذه المقالة الاقتراب من قراءة نتائج الانتخابات الجزئية بسيدي إفني التي منحت الفوز لحزب الأحرار . قراءة نحاول من خلالها تفسير ما حدث، ونبحث  في أسباب ما حدث..

صحيح أن هذه الانتخابات  الجزئية بدون رهانات سياسية كبيرة، ولكن في اعتقادنا الخاص هي لحظة سياسية تستوجب الوقوف، لأنها بمثابة ترمومتر صغير لقياس حرارة الوطن، وبارومتر دقيق لقياس الضغط الذي تعرفه أجواء جهة كلميم واد نون، وفنجان لقراءة طالع ما سيعتمل في إقليم سيدي إفني مستقبلا، لذلك سنحاول وضعها في سياقها الوطني والجهوي والمحلي.

لن نجازف بالقول ابتداء أن الانتخابات في المغرب لا زالت تفتقد إلى بيئتها الحقيقية وهي الديمقراطية وتفتقد روحها وهي احترام إرادة الشعب، وتفتقد عنصرها المحفز وهو التعددية السياسية الحقيقية، ولكن هذا لا يمنع أن نضع انتخابات سيدي إفني في سياقها ومساقها.

أولا: السياق الوطني

عندما صدر حكم المحكمة الدستورية بتجريد البرلماني محمد بلفقيه من مقعده النيابي فقد معه حزب الاتحاد الاشتراكي فريقه البرلماني، حين أصبح عدد مقاعد حزب الوردة 19مقعداً، مما أضر بمكانته بمجلس النواب حيث نقصت حصته من كل المناصب داخل مكتب المجلس وداخل اللجن النيابية وينتظر أن يتم إعادة انتخاب جميع هياكل مجلس النواب خلال منتصف الولاية التشريعية، كما سيظل حضوره في التحالف الحكومي أضعف بكثير مما عليه الآن، الأمر الذي جعل من مقعد سيدي إفني رهاناً سياسياً له رمزية خاصة بالنسبة لحزب إدريس لشكر، لأن باستعادته سيستعيد الحبيب المالكي رئيس البرلمان المغربي بعضاً من مكانته الاعتبارية، ويمكن بفضل هذا المقعد  أن يتكئ بكل أريحية على فريق برلماني يهش به على الانتقادات المتوقعة من خصومه وله فيه مارب أخرى.

من جهة أخرى فإن حزب الأحرار بقيادة زعيمه الجديد عزيز أخنوش بعد انتكاسة «المفعفع» يراهن هو الآخر على مقعد سيدي إفني لتحقيق الرمونتادا)  بالفوز في الدقيقة الأخيرة من الانتخابات بأربعة مقاعد من خمسة، ويرفع بالتالي من مقاعد حزب الحمامة إلى 40 مقعداً، ويعيد عبر بوابة سيدي إفني  بعض الثقة إلى حزب عصمان الذي يخضع لإعادة ترميم شاملة باستقطاب الأعيان ورجال الأعمال الذين يستطيعون ربح الأصوات بدون برنامج ولا سياسة ولا اختيارات ولا إقناع، والغرض هو امتصاص التصويت السياسي الذي استفاد منه حزب العدالة والتنمية، كما أن هذا المقعد سيتيح لحزب الحمامة فرصة خوض مباراة تدريبية في ظل المعركة التي انطلقت مبكرا للظفر برئاسة الحكومة في أفق 2021 وبالطبع تحت شعار “أغراس أغراس”.

من جهة ثالثة يبدو أن حزب العدالة والتنمية  الذي فقد هو الآخر مقعده البرلماني لصالح البام حين حكمت المحكمة الدستورية بإلغاء مقعد برلماني المصباح عمر بومريس  لصالح حزب التراكتور محمد أبدرار ،  خلق المفاجأة بعدم تقديمه أي مرشح ولو نضاليا لاستعادةمقعد سيدي إفني والذي يعرف إخوان بن كيران  جيدا حرارته السياسية  حين نزل ذات يوم رفاق العماري لانتزاعه من حفيد أمغار سعيد . البيجيدي لم البيجيدي لم ينافس على مقعد سيدي  إفني لاعتبارات سياسية غير مفهومة دبج بها بيان عدم المشاركة الذي جاء في وقت كان الحزب يشهد منعطفا حاسما بعد تعرضه لهزة عميقة لم ينجه من السقوط سوى ثقافة «وحدة الصف»، والخوف من  أن يلاقي  مصير أحزاب الحركة الوطنية، التي انقسمت وتشظت وتنازعت وذهب ريحها. إلا أن بعض الأوساط السياسية تؤكد وجود صفقة بين حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار لخوض الانتخابات مشتركة، على أن تتنازل “الحمامة” لـ”المصباح” في تطوان، مقابل تنازل الأخير عن الترشح في مقعد سيدي إفني، وهو ما نفته الأمانة العامة للحزب ولكن  رسالة مسربة داخليا لمستشارة جهوية بجهة كلميم واد نون تابعة للعدالة والتنمية  لمحت إلى ذلك.

من جهة رابعة فقد عبر حزب البام المنتشي باستعادة مقعده للمرة الثانية على التوالي بسيدي إفني عن مساندته الكاملة لحزب الوردة حيث أصبح واضحا للمتتبع أن حزب الجرار بدأ يحس بالخطر الذي يتهدده من طرف حزب الحمامة الذي بدأ يستنزفه و يستقطب مناضليه كما حدث في انتخابات سيدي إفني وأكادير، حيث تقدم مترشحان سابقان في البام رحلا حديثا إلى حزب الحمامة الشيء الذي قد يحول التراكتور إلى حزب عادي مثل الاتحاد الدستوري الذي مر من المسار نفسه حين ولد وفي فمه ملعقة من ذهب … نفس الدعم تلقاه الاتحاد الاشتراكي من حليفه التاريخي حزب الاستقلال الذي أصبح حمدي ولد الرشيد يتحكم في الكثير من تفاصيله وخاصة الواجهة الجنوبية..

من جهة أخيرة وجب الإشارة إلى  أن هذه الانتخابات تجرى في ظرفية استثنائية حيث  لا يزال الريف يشهد دينامية خاصة تعكس  تحولا كبيرا وسط المجتمع لم تتمكن السلطة والوسائط المجتمعية الرسمية من مواكبته، فالمتتبع العادي للمشهد الحزبي والنقابي يستنتج أن إضعاف هذه الوسائط لم يأت مصادفة، ولكنه نتيجة لسياسة ممنهجة اعتمدت منذ مدة وسرع نتيجتها قيادات عزلت نفسها عن الشارع. لذلك شكل مقعد سيدي إفني وسيلة إيضاح جديدة لمساءلة الممارسة الديمقراطية بمغرب العهد الجديد ..

ثانيا السياق الجهوي

يقود جهة كلميم واد نون حزب الأحرار بفارق صوت واحد عن مرشح حزب الاتحاد الاشتراكي عبد الوهاب بلفقيه الذي حصد أغلب أصوات الجهة، إلا أنه خسر كرسي الجهة لفائدة الدكتور عبد الرحيم بوعيدة، الأمر الذي جعل الجهة تعيش إلى حد الساعة على إيقاع البلوكاج الذي ينذر بولاية بيضاء.

لعبة التحالفات التي تهشمت بعيد انتخاب بوعيدة جعلت منطق التحالفات الجهوي لا يحترم منطق التحالف الوطني، حيث قدم البيجديون كرسي جهة  كلميم واد نون على طبق من ذهب إلى حزب أخنوش الذي هندس البلوكاج الحكومي ضد أمينهم العام بن كيران، و لم تحترم الجهة التحالف القوي الذي يجمع كل من التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي مركزياً، والذي بسببه رفض أخنوش القبول بتشكيل الحكومة بدون إشراك إدريس لشكر.

في ظل هكذا وضع جاءت  انتخابات سيدي إفني لتضع كل هذه التحالفات الجهوية أمام اختبار حقيقي حيث لم تحترم الحمامة تضحية المصباح الذي قدم لها كل شيء جهويا بدون مقابل  إضافة إلى كون النائب البرلماني بومريس الذي فقد مقعده النيابي  هو عضو في الجهة  ويدعم  بشكل كبير التجمعي بوعيدة ، فكان من الأحرى  أن يدعم التجمعيون حليفهم بومريس ولو اقتضى الأمر النزول معه دار دار زنقة زنقة مما سيقوي تحالفهم الجهوي ويربك حسابات المعارضة.

لن تستقيم  أيضا قراءتنا للسياق الجهوي دون استحضار صراع  عبد الوهاب بلفقيه رئيس المجلس البلدي السابق لكلميم والوالي الأسبق عمر  الحضرمي  الذي لم يتمم العام على رأس جهة كلميم السمارة حتى تم إعفاؤه، وتعويضه بوال آخر هو محمد بنرباك. و لم تستسغ عدة فعاليات جمعوية وحتى سياسية هذا الإعفاء واحتجت على الأمر متهمة رئيس مجلس بلدية كلميم بالوقوف وراءه.

ومن مخرجات هذا الصراع فطن الجميع إلى أن عبد الوهاب بلفقيه شكل “الرقم الصعب” بالجهة ولا يمكن حل أي معادلة سياسية دون استحضاره خصوصا أنه تجدر عبر مفاصل الجهة وزاد من هذا التجدر  إلحاق إقليم سيدي إفني معقل قبيلته إلى الجهة الجديدة. هذا الصراع القديم الجديد مع الوالي العظمي لا يزال يلقي بظلاله على صراع الجهة، يزكي هذا القول رفض مبادرة المستشار الجهوي محمد أبدرار الذي قرب من وجهة نظر الطرفين وتم نسف مساعيه في منتصف الليل ومنتصف الطريق. من هنا شكل مقعد سيدي إفني حلبة أخرى للصراع الجهوي على بقعة جغرافية تكالب فيها الكل ضد بلفقيه لتحجيمه وإيقاف مده.

ثالثا: السياق المحلي

سيدي إفني إقليم جديد يلتحق بجهة كلميم واد نون، لاعب مهاري مل الجلوس في دكة الاحتياط لجهة سوس ماسة درعة  الكبيرة وجرب النزول إلى ملعب جديد لتسجيل بعض أهداف التنمية التي لا زالت تراوح مكانها منذ رحيل الإسبان.

لأول مرة يشارك الإقليم في انتخابات الصحراء التي تعزف على وثر القبيلة و المال والسلطة. اكتسح بلفقيه كل أصوات الإقليم الجديد وأهدى رئاسة المجلس الإقليمي لتلميذه “النجيب” ابراهيم بوليد الذي سيبرز اسمه على السطح وسيفاجئ الكل بصناعة بروفايل معاكس لتوقعات الجميع. في سنته الأولى انفجر بوليد في وجه عامل إقليم سيدي إفني صالح الدحا وكال له من اللكمات ما جعل الكل يعتقد أن صراع بلفقيه-العظمي سيتكرر بصيغة جديدة بوليد-الدحا. وعلى عكس التوقعات انقلب بوليد على بلفقيه ودخل معه في صراع سيتجسد بشكل علني في انتخابات مقعد سيدي افني.

المتتبع لخفايا الأمور سيكتشف أن ابراهيم بوليد هو من صنع انتصار رجل الأعمال مصطفى مشارك الذي التحق بحزب الحمامة عائدا من حزب البام بعد أن فشل في انتخابات تزنيت .بوليد يعرف طريقة لعب بلفقيه ويعرف التضاريس  الحزبية للإقليم ويمتلك رزمانة من المشاريع وظفها بطريقة غير مباشرة لرسم خارطة طريق مشارك إلى قبة البرلمان.

مصطفى بيتاس القيادي السياسي الجديد بالحزب الأزرق والذي انتزع وكيل اللائحة الوطنية للشباب والذي منحه عزيز أخنوش ثقته ومفاتيح الحزب نزل هو الآخر إلى مدينته لمؤازرة مرشح الحزب، سانده في ذلك الراجي عبد الرحمن الاستقلالي عضو المجلس الإقليمي الذي تمرد على توجيهات الرشيد وساند الحمامة.

سعيد باهمان عضو الحزب الشيوعي وعضو المجلس الإقليمي و رئيس المجلس الجماعي للخصاص تكفل بالصمود أمام الماكينة الوهابية ببلدية لاخصاص فيما تمرد  رئيس جماعة تنكرفا الركراكي بيدري على تعليمات حزب البام وساند الحمامة تحت تهديدات تنظيمية للبرلماني محمد أبدرار عضو المجلس الجماعي لتنكرفا و عضو المجلس الجهوي والمنسق الإقليمي للتراكتور.

خلاصات

انتهى يوم الخميس 21 دجنبر لتسفر النتائج عن فوز مصطفى مشارك عن حزب الاحرار بحصوله على 21060 صوتا، مقابل 18000 صوت، لحزب الاتحاد الاشتراكي وبلغت نسبة المشاركة 51.15 في المئة. وهنا لا بد من إبداء جملة من الملاحظات:

ما حدث الخميس الماضي من خلط في المواقع وغياب منطق الاصطفاف السياسي مؤشر على الأزمة التي تعرفها الممارسة السياسية بالمغرب.

ما زالت تلاحق الإدارة تهم الحياد السلبي مع عجز في صياغة ترسانة قانونية تضع حدا للتلاعب الانتخابي وتجعل مدخلات ومخرجات العملية الانتخابية سليمة وشفافة ومنسجمة ومنطقية.

ما زال المال  السياسي يتجول نهاراً جهاراً  لدفع الساكنة للتصويت تحت مرأى ومسمع من الجميع، وهو ما يفسر نسبة المشاركة المرتفعة في إقليم فقير مهمش.

لأول مرة يعرف إقليم سيدي إفني نمط اقتراع على الشاكلة الأمريكية حيث يتناطح حزبان فقط مما جعل ثلاثية السلطة والقبيلة والمال تتدخل بشكل فاضح في توجيه إرادة الناخبين..

تنصل العديد من المنتخبين من انتماءاتهم السياسية ومن وعودهم التي ملأوا بها الفضاء العام في الحملة الانتخابية (برامج، وعود، خطوط حمراء، اتهامات،…) فتحالفوا مع الخصوم والأعداء في استهتار تام بإرادة الناخب وأخلاقيات العمل السياسي..

ختاما

من الصدف الغريبة في انتخابات سيدي إفني أنها تزامنت مع ظاهرة “الانقلاب الشتوي” ومع انتخابات اسبانيا و انتخابات الأمم المتحدة وخرجت بفائزين اثنين، الأول أخذ المقعد والثاني أعاد رسم خريطة جديدة للإقليم. لقد أعلن هذا المقعد سيدي إفني عاصمة لجهة كلميم واد نون ..

محمد أنفلوس: مشاهد

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك