يكاد كل الفاعلين الاقتصاديين بالمملكة والمهتمين بالشأن الاقتصادي الوطني يجمعون على أن المغرب اليوم هو في حاجة إلى إصلاح ضريبي هيكلي وشامل يواكب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها البلد ويعيشها محيطه الإقليمي والدولي. كما تعلمون لا يمكن لأي سياسة اقتصادية أن تنجح دون سياسة جبائية مواكبة ومشجعة على المبادرة الاستثمارية وخلق الثروة.
أقرت الحكومة السابقة في المناظرة الوطنية حول الجبايات، التي نظمتها سنة 2013 بالصخيرات، بضرورة مراجعة نظامنا الجبائي بشكل جذري وشامل أمام كل الحاضرين بالمناظرة من فاعلين اقتصاديين وخبراء ومنتخبين ومهتمين بالشأن العام ببلادنا.
تلك المناظرة، أذكركم، السيدات والسادة الحاضرين، خرجت بتوصيات واضحة صفق لها الجميع حكومة ومعارضة ومجتمع مدني. أذكر أنه كان هناك إجماع على ضرورة التوفر على رؤية واضحة بشأن التنمية في المغرب وعلى إدراج الإصلاح الجبائي في إطار سياسة اجتماعية واقتصادية شاملة من خلال ترسيخ العدالة الجبائية واعتبار النظام الجبائي محركا للتنمية الاجتماعية، وأخيرا ضرورة تعزيز الثقة مع الملزمين.
المناظرة أيضا خرجت بتوصيات تخص نظام الإعفاءات والنفقات الجبائية والتي شغلت حيزا هاما من النقاش.
قبل تلك المناظرة بسنة، أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهو مؤسسة دستورية كما تعلمون، تقريرا مهما وغير مسبوق حول النظام الضريبي المغربي: التنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي (2012).
التقرير، جاء في أكثر من 200 صفحة، هو تشريح لأعطاب نظامنا الجبائي حيث لخص كل عيوبه ومساوئه ومشاكله وضم اقتراحات عملية لا تختلف كثيرا عما خرجت به المناظرة الوطنية للجبايات سنة بعد صدوره.
صراحة، لم أجد أثرا لا لتوصيات تلك المناظرة ولا لخلاصات تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في مشروع قانون المالية الحالي.
فنحن اليوم أمام القانون المالي الرابع بعد تلك المناظرة ومازلنا ننتظر تلك التوصيات لأنها تعبر عن الآراء والمواقف الناتجة عن سياسة تشاركية مرغوب فيها.
لقد حاولت جاهدا أن أجد إجراءا ضريبيا واحدا في صالح الطبقة المتوسطة التي تدفع اليوم أكثر من 80% من الضريبة على الدخل وأقصد الأجراء والموظفين فلم أجد لها أثرا.
مراجعة الضريبة على الدخل ليست مطلبا فئويا أو نقابيا؛ فالأمر يهم المقاولة أو المشغل والأجير معا، فمراجعة النسب المرتفعة ستشجع المقاولات على التشغيل وخاصة فئة الأطر والمهندسين وسترفع من القدرة الشرائية للمواطنين وقدرة الأسر على الادخار….
لقد تحولت مناقشة القانون المالي كل سنة إلى مناسبة تقليدية للحديث عن إعفاء هذا القطاع لتشجيعه وتضريب ذاك القطاع لتوسيع الوعاء الضريبي في غياب رؤية واضحة وتقييم موضوعي للنفقات الجبائية وأقصد بالتقييم: التأكد من مدى مساهمتها في تحقيق الأهداف التي أعطيت من أجلها.
لقد أجمع الحاضرون في المناظرة الوطنية للجبايات التي ذكرتها على ضرورة تقنين النفقات الجبائية التي تكلفنا حسب مشروعكم الذي بين أيدينا 33 مليار درهم (حوالي 9 مليار سنتيم يوميا) من خلال:
- تحديدها داخل الحيز الزمني لكي لا تتحول إلى ريع جبائي إتكالي بدونه لا يستقيم ذلك القطاع؛
- ربطها ببرامج تعاقدية (contrat- programme) من أجل تأهيل قطاعات معينة والرفع من قدرتها التنافسية؛
- التقييم المستثمر لتلك الإعفاءات بناءً على أرقام من أجل التدخل في الوقت الملائم لمراجعتها وتصحيحها والأمثلة عديدة وكثيرة: التعدين، العقار، الفلاحة، التعليم..
على سبيل المثال لا الحصر، يستفيد القطاع الخاص في التعليم من تحفيز ضريبي (الضريبة على الدخل أو الضريبة على الشركات) رغم أنه قطاع مربح وحر لا تتدخل فيه الدولة لتحديد أسعار التمدرس والتأمين والنقل والتغذية على حساب الأسر الباحثة عن جودة التعليم.
أليس من المنطق والحس السليم السماح بخصم رسوم التمدرس من الضريبة على الدخل المفروضة على الآباء كتحفيز ضريبي بدلا من إعفاء المستثمرين الخواص في القطاع؟
مثال آخر:
يستفيد القطاع العقاري من امتيازات ضريبية خيالية (السكن الاقتصادي) منذ سنوات، وبالرغم من ذلك تعاني الشركات من الديون المتراكمة وتخل في الكثير من الأحيان بالتزاماتها مع الزبناء ومع الدولة؟ فهل من الطبيعي أن يصبح الإعفاء في هذا القطاع قاعدة والأداء استثناء؟ قطاع المعادن أيضا، القطاع الفلاحي…
اليوم نعيش مرحلة جديدة شعارها الجهوية في كل شيء، أتساءل عن غياب تحفيزات أو إعفاءات لتشجيع الاستثمار في مناطق معينة تعاني الحيف والبطالة والفقر؟
لماذا لا نمنح تحفيزات ضريبية للمقاولة الصغيرة الموجودة ببعض الأقاليم الفقيرة كما كان معمولا به من قبل؟
لماذا لا نجد مناطق حرة للتصدير إلا في طنجة والقنيطرة؟ لأن المقصود هو استغلال النفقات الجبائية للنهوض باقتصاد الجهات لكي نستحضر البعد الترابي (الجهوي) في سياستنا الجبائية. فعلى سبيل المثال لدينا بالمناطق الجنوبية الثلاث وضع خاص؛ إعفاءات على الواقع لكن لا يؤطرها القانون مما يحرمنا من الاستثمار الخارجي وأحيانا حتى الوطني…
الجمارك:
القانون المالي الجديد لا يحمل أخبارا سارة للمقاولات وأركز على ثلاث إجراءات أجدها في غير وقتها وأجهل غايتها وأهدافها.
- إلزام الملزمين (الشركات والخواص في النظام الصافي البسيط والنظام الصافي الحقيقي) بضرورة التوفر على نظام معلوماتي للفوترة (الفصل 145من المدونة العامة للضرائب) وذلك حسب معايير تقنية سيحددها مرسوم.
شخصيا أجد أن الأمر سيخل بالتوازن بين الملزمين وإدارة الضرائب، إضافة إلى الكلفة المادية، وأعتبره مؤشرا على غياب الثقة الضرورية بين الإدارة والمواطنين.
- وضع لائحة مفصلة للمبيعات المحققة مع الزبناء المتوفرين على الضريبة المهنية مع الإقرارات الضريبية. هذا إجراء لا يمكن تقبله باعتبار أن له علاقة بالسر التجاري للمقاولة ولا يمكن لأي مقاولة أن تضع تفاصيل رقم معاملاتها مع كل زبون كل سنة لدى إدارة الضرائب لأهمية تلك المعطيات.
شخصيا لا أجد مبررا للأمر مادامت الإدارة يمكنها الحصول على ذلك عند القيام بمراجعة محاسبة المقاولة كما هو معمول به حاليا.
هذا إجراء مشجع على التوجه نحو الاقتصاد غير المهيكل وسيكون لصالح المهربين والمقاولات غير الوطنية على حساب الشركات الشفافة.
اليوم نجد صعوبة في التعامل بالشيك على حساب النقد، فكيف سنقنع الزبناء بالتعامل مع مقاولات ستصرح تلقائيا برفع معاملاتهم مع إدارة الضرائب؟
- إصلاح نسب الضريبة على الشركات أمر محمود، ولكن، السيد الوزير، لو احتفظتم بالنسبة الأصلية مع اعتبارها تصاعدية لأن إلغاء نسبة 30%بين مليون درهم و5 مليون درهم تراجع عن مكسب سابق للمقاولة.
هذا دون نسيان أن هناك ضريبة 15% تؤديها المقاولة عند توزيع الأرباح، فلماذا لا نعفي مبلغا معينا من الأرباح من هذه الضريبة لتشجيع المقاولات الصغرى وإدماج القطاع غير المهيكل في النسيج الاقتصادي المقنن؟
بخصوص الضريبة على القيمة المضافة، لقد صار معروفا لدى الجميع أن هناك شبه إجماع على ضرورة إصلاحها، وهو ما جاءت به المناظرة الوطنية حول الجبايات وتخفيضها إلى نسبتين 10%و20%.
لكن وكما قلنا سابقا، هناك تجاهل تام لكل ما سبق وها نحن تفاجئنا الحكومة بزيادة 4% على المحروقات لتصير 14%، وهنا يجب طرح تساؤل بريء:
– ارتفاع أسعار المحروقات سيمس مباشرة جيوب المواطنين؛
– إمكانية رفعها ب 20%؛
هذا دون نسيان المسؤول الكبير عن غلاء أسعار المحروقات في الأسواق الداخلية عكس الخارجية وهي الضريبة على الاستهلاك والتي تمثل قرابة 150% من الثمن الأصلي للوقود.
ماذا كان الهدف من سن الضريبة:
- الحد من استعمال مادة مضرة بالصحة؛
- معالجة الآثار الجانبية لاستعمالها.
لكن يبدو أن الحكومات المتتالية جعلت منها موردا أساسيا في الوعاء الضريبي وهذا مخالف للسياسة التي من أجلها أنشأت؛ حيث أنها تتجاوز مبلغ 16MD في مشروع القانون.
فيما يخص الجمارك، اقترحتم مراجعة الرسوم الجمركية (المادة 4) من خلال رفع نسبة 17.5% إلى 20% ونسبة 25% إلى 30% وهي مراجعات مهمة وكبيرة ستؤثر لا محالة على القدرة التنافسية للمقاولات المستوردة لمنتوجات الدول التي لم توقع مع المغرب اتفاقيات التبادل الحر؟
لا أعتقد أننا اليوم بحاجة لمثل هذه الإجراءات في وقت نتحدث فيه عن الانفتاح على أسواق جديدة ونتحدث عن تشجيع الاستثمار بكل أنواعه، قد يقول قائل أن الاستيراد يضر بالاقتصاد الوطني وهو حق أريد به باطل، لأن مداخيل الدولة اليوم من الاستيراد (الجمارك)، الضريبة على القيمة المضافة، الضريبة الداخلية للاستهلاك هي مبالغ مهمة و تمول الاقتصاد الوطني وتوفر للمواطن منتوجات بأثمان معقولة.
على كل حال، الأمر يبدو لنا غير مفهوم وقد تكون له تأثيرات سلبية تتجاوز من حيث الأهمية المداخيل الإضافية المرجوة من مراجعة هذه النسبة.
وستكون للموضوع من خلال التعديلات التي نراها ضرورية خاصة في المدونة العامة للضرائب من أجل عدالة جبائية في خدمة تنافسية المقاولة والقدرة الشرائية للمواطنين وتنمية موارد الدولة.
رابط قصير: https://www.tighirtnews.com/?p=30978







