في إطار مساعينا العلمية للتأسيس لنقاش إبستمولوجي وسوسيولوجي ملتزم حول واقع التنظيمات الجمعوية بالمغرب، سنحول ما أمكن مقاربة هذه الظاهر التنظيمية من زوايا مختلفة، قصد تأسيس فهم أوسع وعميق لهذا الشكل التنظيمي وطروق اشتغاله. فما السياق التاريخي الذي ظهر فيها هذا الشكل التنظيمي المنظم؟ وكيف انتقل العمل الجمعوي من العمل التطوعي إلى العمل المأجور؟، وما هي أليات وطروق اشتغال الجمعيات؟.
نظرا إلى حداثة العمل الجمعوي بالمغرب، واقترانه بالتحولات المكروية للمجتمع المغربي، فإن هذا الشكل التنظيمي لم ينل ما يستحقه من دراسات وأبحاث، علما أنه يندرج ضمن العلوم الاجتماعية، وهذا مقترن بالوضع الذي تعيشه هذه العلوم، وكذا غياب أبحاث واقتصارها على ظواهر بدل أخرى ساهم في ضعف المراجيع الفكرية في هذا المجال.
إن الوضع الذي عاشه المجتمع المغربي استدعى قيام تنظيمات مساعدة إلى جانب مؤسسة الدولة لخلق تنمية حقيقية، ففي نهاية التسعينيات شهد المجتمع المغربي دينامية حقيقية في العمل الجمعوي، ومواكبة سوسيولوجية -متصاعدة ومتزايدة- لهذه الظاهرة التنظيمية. كما أن الظروف الاقتصادية التي عاشها المغرب خلال هذه الفترة كانت بمثابة دعامة أساسية في بروز وظهور هذه التنظيمات الجمعوية.
إن هذه الظروف فرضت عليه تبني سياسة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، التي توصي في مجملها بتقليص نفقات الدولة في القطاع الاجتماعي والعمومي مع العمل على الانسحاب من هذا الأخير وخوصصته، وهو ما دفع بالدولة إلى تشجيع المجتمع المدني على خلق تنمية قصد المشاركة في تحقيق نمو سوسيو اقتصادي للمجتمع بانخراط كل فعاليات المجتمع فيه، وكذا من أجل استفادة كل جهات وفئات المجتمع منه، وبشكل خاص ساكنة العالم القروي الذي يعيش خصوصا ملحا في كل مناحي التنمية، وإمكانيات الدولة لن تسعفها في تقديم كل ما يتطلبه الوضع التنموي في هذا المجال ذي الخصوصية. مما استدعى تفويض بعضا من المسؤولية في تأطير المواطنين وضبط المجتمع، وخلق التنمية في الأمور الموكلة لها عبر تكريس سلطة القانون كمرجع الفصل والاحتكار والنظام.
وإذا كانت الجمعيات الأكثر نشاطا في المغرب هي التي تستفيد من الدعم والتمويل الدولي فإنه ومن جهة سوس وواد نون نجد الجمعيات تبدأ عملها بالاعتماد أولا على ما هو محلي وتوظيف ما يتيحه من إمكانيات، حيث يتم الاتجاه عبر جلب الدعم العمومي والدولي بحسب متطلبات المشاريع، والاعتماد على الموارد المالية المحلية من طرف هذه التنظيمات هو شكل من القيم الثقافية المحلية، وليس شكلا للنموذج الأوربي.
كل هذه الأسباب ساهمت في ميلاد تنظيمات جديدة في المجتمع أصطلح عليها بالجمعيات، هذه الأخيرة جعلت خدمة الشأن المحلي بشكل تطوعي شعارا لها، عبر الانفتاح على المقاربات المتعددة التخصصات، بغية البحث عن طبيعة الشروط الموضوعية التي تجعل العمل الجمعوي -في إطار ما هو تنظيماتي- يتخبط في إكراهات متعددة حالة دون أن يقوم بدوره في التنموي ، والتوعي، والاجتماعي للرقي بالإنسان وبناء وتطوير مشروع مجتمعي واضح المعالم.
إن التحولات التي أصبح يشهدها هذا الشكل التنظيمي تفرض ضرورة قيام مقاربة منهجية موضوعية حول هذا الانتقال الذي يعود بالضرورة إلى أسباب متعددة؛ أبرزها استئجار مجموعة من الأطوار التي لها دراية بطريقة تقديم المشاريع، ومن منشط تربوي وسوسيو ثقافي، ومكلف بالإدارة …. إن هذا الانتقال الجزئي في العمل الجمعوي كان محتوم الوقوع، لكن يبقى الإشكال الكبير الذي لحق هذا الانتقال هو نسبة الأجور التي تبقى متدنية إلى حد كبير.
إن الاهتمام الكبير الذي يوليه المجتمع لهذا الشكل التنظيمي الجديد ساهم بشكل كبير في التفات مجموعة من الهيئات الوطنية والحكومية وغير الحكومية والدولية لهذه التنظيمات، لهذا كانت المواكبة حاضرة من الجانب السوسيولوجي لهذه الظاهرة التي انتشرت بشكل ملموس في المجتمع المغربي، ما نتج عنه قيام خطاب إبستيمولوجي يهدف إلى دراسة الجانب التنظيمي، ومقاربته من كل الجوانب قصد بلوغ مبتغاه، لذلك كان من الضروري لكل من كانت له نية الانخراط ضمن العمل الجمعوي العودة إلى الاسهامات الفكرية ودراسة طروق اشتغال هذا الشكل التنظيمي، قصد الدراية بطروق الاشتغال وحسن تدبير الموارد المالية كانت أم بشرية، والإلمام أكثر بمنهجية تقديم المشاريع اعتبارا أن هذه الأخيرة تعتبر بمثابة الخط الفاصل بين إنجاح التنظيم من عدمه.
لهذا كانت الموكبة حاضرة من جانب الدولة التي عبرت عن إرادة سياسية حقيقية للنهوض بالعمل الجمعوي، وخصوصا أن هذا القطاع أصبح يمثل دورا حجر الزاوية في خلق تنمية حقيقية داخل المجتمع، وفي هذا الإطار ثم فتح استراتيجية الشركة التي أصبحت تنهجها الدولة في علاقتها بالجمعيات، ومن أجل الارتقاء بجودة عملها وفعاليته ثم تحسين الجهاز القانوني المنظم والمستجيب لهذه الشراكات الملحة في إطار تفعيل اللامركزية. في جميع القطاعات.
كان الاهتمام ودعم الجمعيات شعار لإرادة الدولة لرد الاعتبار إلى الجانب التنموي بالبلاد نظرا للدور الأساسي الذي أضحت تلعبه هذه التنظيمات في هذا المجال، لذا كانت الضرورة ملحة لتوفير بعض الامتيازات لها كدعم المشاريع من طرف -العمالات والمجالس والأقاليم، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية والوكالات الوطنية والدولية … – ضروريا لكن شرط توفر جميع الشروط القانونية المعمول بها وطنيا، وسأعرض أهم هذه الشروط في ما تقدم.
- طلب موجه إلى الهيئة المطالبة بالدعم.
- تعبئة البطاقة التقنية للمشروع وفق النموذج المعد لهذا الغرض.
- محضر يثبت موافقة المكتب المسير للجمعية على طلب الدعم.
- نسخة من الوصل النهائي لإيداع ملف التأسيس.
- تقرير مفصل حول الأنشطة التي نظمتها الجمعية منذ أن تأسست.
- نسخة من لائحة الأعضاء.
- ملف تقني حول النشاط أو المشروع موضوع الدعم ……
إن التأسيس لنقاش إبستمولوجي حول هذه الظاهرة التنظيمية لما لها من قيمة قيمية داخل المجتمع يستدعى ضرورة اهتمام الباحثين بهذه الظاهرة التنظيمية خصوصا في هذه الفترة التي تعرف تزايدا ملحوظا لها، من أجل بناء معرفة علمية محضة حول هذا الشأن التنظيمي ولما لا استقلاله عن سوسيولوجيا التنظيمات والقطيعة الإبستيمولوجية قصد بناء الوقعة الحجية والمشروعية العلمية، والتفكير في بناء تصور نظري خاص بسوسيولوجيا الجمعيات.
بقلم: أمسكور محمد – تغيرت نيوز (باحث في سوسيولوجيا الجمعيات)
رابط قصير: https://www.tighirtnews.com/?p=30756







