حراك الريف هو شوط ثاني من انتفاضة أيت باعمران في سيدي إفني التي قمعتها الدولة بوحشية في يوم مشؤوم معدود بالسبت الأسود ودخل التاريخ من بابه الأكحل … مقارنة بين ذاك في إفني وهذا في الحسيمة توحي بتشابه وتطابق كبير بين الانتفاضتين، وحتى أن المنطقتين تتميزان بخصوصيات ثقافية تاريخية واجتماعية كثيرة، على رأسها أن المنطقتين الريف وأيت باعمران كانتا تحت الوجود الإسباني في زمن ما يسمى بالاستعمار … ولا جدوى من تكرار بطولات ومقاومات المجاهدين في تلك المناطق من أجل الحصول على الاستقلال … وعاش الريف في الشمال نفس مسار التهجير والتهميش والإقصاء الذي عاشه إقليم افني في الجنوب … نفس المرارة والمهانة والحكرة … لكن الغريب هو أن حين انتفض الريف سنة 2016 بسبب حادثة مقتل الشهيد محسن فكري بعد خروجه من ميناء الحسيمة واتهم بشراء سمك مهرب، انطلقت شرارة انتفاضة أيت باعمران من ميناء سيدي إفني بعد اعتصام المعطلين أمام بوابته مطالبين بحقهم من الثروة السمكية التي يتم تهريبها إلى مدن أخرى … القاسم المشترك هو مطالبة الشباب بحقوق اقتصادية واجتماعية وخاصة المرتبطة بالحق في استغلال واقتسام الثروات والموارد …
الدولة ترد وتواجه المعطلين والشباب والجماهير بالقمع والعنف والاعتقالات أو ما يجمله المتتبعين والحقوقيين بالمقاربة الأمنية، وفي هذا السياق أيضا نلاحظ أوجه التشابه في منطق التعامل بين انتفاضة إفني والحسيمة، من حيث الأسلوب والخطاب والحملة التي كثفتها الدولة لمواجهة المحتجين والمناضلين، خطاب التخوين والانفصال …. وأكثر عبارات التي استعملت بكثافة ويتحدث عنها الناس والمعتقلين ودفاعهم من المحاميين المؤازرين لهم … هي تداول عبارة “أولاد اسبنيول” التي يطلقها رجال الأمن في حق الشباب والنساء الذين يحتجون في الشوارع، ماذا تعني هذه العبارة؟ ما هي مقاصدها وأهدافها؟ ماهي خلفيتها؟
لا نعرف هذه العبارة هل تمثل موقف رسمي من جهاز معين يرى أن أيت باعمران والريف هم أولاد الإسبان حين كانوا مستعمرين المنطقة؟ إذا كان هذا الرأي صحيحا، فإن الذين يشتمون الريافة وأيت باعمران ويسبونهم بهذا النعت هم أولاد الفرنسيس، أحفاد اليوطي، مادام أن فرنسا استعمرت المناطق الأخرى في المغرب التي لم تستعمرها إسبانيا. هذه إهانة تكرسها الدولة في حق جهات واسعة وكبيرة جدا تضم حوالي أكثر من نصف تراب الوطن، أيت باعمران والصحراء والريف …
وباستعمال هذا الوصف القدحي باستمرار، يوحي على أن عقل الدولة مريض بالعقد التاريخية، لأن كل من احتج وناضل على حقوقه ينعت أنه ولد اسبانيول، أي أنه خائن وليس فيه وطنية .. في المقابل يعتبر المواطن الذي لا يحتج ولا يناضل مواطنا مهذبا ابن فرنسا، لأنها هي التي صنعت الدولة المغربية الحديثة بعد أن اعطتها الاستقلال الشكلي سنة 1956.
إننا في حاجة إلى باحثين ومتخصصين في علوم إنسانية مختلفة تواكب مثل هذه الانتفاضات، وأخص بالذكر في ميدان الانثروبولوجيا والسوسيولوجيا والتاريخ وعلم النفس … حتى تتسنى فرصة تحصيل تراكم معرفي وعلمي متكامل في تخصصات جديدة كسوسيلوجية القمع، وانثروبلوجية الإهانة. ..والتحليل النفسي الاجتماعي للاحتجاج .. ونفسانيات السجناء والمعتقلين … وغيرها … ليستفيد المجتمع والدولة معا، في مثل هذه التجارب للتأسيس لثقافة العدل والمساواة والحقوق .. لأن الدولة يجب أن تتخلص نهائيا من إرثها الماضي الثقيل، إرث احتقار وإهانة المواطن .. فلم يعد المغاربة يتحملون أكثر …
بقلم: عبد الله بوشطارت (إعلامي وباحث)
رابط قصير: https://www.tighirtnews.com/?p=28976







