الرئيسية » الافتتـاحيـة »

تحية لأولئك الذين لا يقوون على الصراخ

في فاتح ماي، تحية لأولئك الكادحين .. الذين لا يجدون غير فاتح ماي للصراخ دفاعا عن مطلب ما، أولئك الذين تستهلك الكثير من الباطرونا لحومهم ولا تترك فيهم بعد مرور الزمن، سوى .. عظاما تُداوى لدى الأخصائيين الذين يمتصون ما تبّقى من دراهمهم.

لكن تحية أكبر لـ:

سيدة خرجت اليوم كي تبيع خبزها، لأنها تعلم أن أبناءها قد لا يجدون قطعة بطاطس تهزم جوعهم .. لأنها تدرك أن خبزها الشهي المصنوع من اليدين، ذلك الذي يفضل الزبناء أن يشتروا بدلا منه خبزا عجنته الآلات، لا يكفي لإسكات الأفواه الجائعة.

سيد خرج اليوم حتى يقف في الشمس، كما هي العادة كل يوما، انتظارا لزبون ما يطلب منه إصلاح صنبور أو كرسي مرحاض، لأنه يعلم أن صاحب الكراء لن يمهله إلّا فاتح الشهر لأداء ثمن سكن في علبة وقيد مبنية من الإسمنت.

شاب خرج منذ ساعات، يحمل “بريوات” من الدجاج والسمك، أعدتها زوجته بكثير من الاهتمام، علّها تجذب زبناء ما يدغدغون بها بطونهم، مقابل دريهمات قليلة تخرس، ولو إلى حين، الكثير من الثرثرة عن زوجين واجها الفقر بشجاعة وكبرياء وحب.

سيدة خرجت منذ الصباح، تنظف سلاليم العمارات .. تصعد إلى الطابق العاشر وتنزل مقوسة الظهر منحنية الرأس وهي تدفع الأوساخ إلى أسفل. تقتل كل تنهيدة تعب تخرج من أعماقها بتذكر صورة زوجها المريض الذي لم يعد يقوَ على النهوض، فتجمع قواها كي تكمل السلم، وبين الحين والآخر، ينزل أحدهم وهو ينتعل حذاء متسخا يلوّث به ما نظفته.

تحية لأولئك الذين لا يقوون على الصراخ .. لأنهم فقدوا هذا الحق منذ زمن.

إسماعيل عزام: الافتتاحية

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك