شكل بلاغ الديوان الملكي، الصادر ليلة الأربعاء 15 مارس 2017، والذي أفضى إلى إعفاء عبد الإله بنكيران، من تشكيل الحكومة الجديدة في أعقاب الانتخابات النيابية لـ07 أكتوبر 2016، منعطفا جديدا في تاريخ الحياة السياسية المغربية، وفي الممارسة الدستورية بالمغرب، إلى حد اعتبار الامر سابقة في تاريخ البلد بالنظر إلى حالة الاعفاء من المسؤولية، قبل تحقيق نتائج التكليف القبلي.
كثيرون هم الذين قرأوا البلاغ قراءة سطحية، ولم يكلفوا أنفسهم عناء، التحليل العميق لمضامينه، ولا السياقات الدستورية والسياسية المحيطة به، بل هناك من اكتفى بعبارة، “الإعفاء” دون غيرها وانبرى إلى التنبؤ بالشخصية التي ستعوض الرئيس،،، وانطلاقا من الموقع الذي يفرضه الموضوع، وهو أساسا البحث السياسي والتحليل الدستوري، لابد من إعطاء قدر كاف من الأهمية والنقاش لمحتويات البلاغ، لاسيما أنه بني على الوثيقة الدستورية، ولو كان الأخير لا يتضمن أي نص صريح تم الاعتماد عليه في تصريف الواقعة، وللتأكد من سلامة الأمر، وجبت الإحالة على الفصل 47، وطرح السؤال الشائك، هل في الفصل ما يعطي الحق للملك بشكل صريح إعفاء وتعيين شخصية ثانية في نفس الحزب؟.
طبعا الجواب سيكون بالنفي، وسيتأكد الأمر في البلاغ ذاته، بحيث ولأول مرة يتضمن عبارة “نص وروح” الدستور، وهو ما يستفاد منه بشكل جلي قصور النص في معالجة الحالة، سيذهب الكثيرين إلى الاستدلال بأن الملك رئيس الدولة وضامن وحدتها والساهر على… ومن حقه اتخاذ أي إجراء يراه مناسبا، إلا أنه والرجوع إلى الواقعة وقبلها وإبان التعيين، فالملك اعتمد بشكل واضح على نص صريح يعلل به التعيين، قاطعا الطريق أماك كل التأويلات التي ذهبت إلى عدم التكليف، ولو كان النص هنا واضح ولابد من التقييد به.
واقعة الإعفاء تجسد بما لا يدع مجالا للشك، حالة المأزق الدستوري الذي وضعت فيها (بضم الميم) المؤسسة الملكية، ولم تعالجه إلا في إطار عام غير دقيق ويفتح الباب على مصراعيه أمام الكثير من التأويلات، التي لا تخلو من الاحتجاج على الطريقة الممكن اعتبارها غير سلمية، وإلا فما هي الاختيارات المتاحة الملك ولم يفعلها؟. والتي أفرد لها البلاغ حيزا مهما، طبعا قد تكون من بينها الدعوة إلى انتخابات جديدة لفك طلاسيم بلوكاح مفتعل لا يستحق كل هذا النقاش، الذي تم خلاله هدر الكثير من الزمن السياسي،
لا أتنبأ، ولا أعلم الغيب، لكن خوف دوائر القرار ومحيط الملك، من اكتساح العدالة والتنمية لانتخابات جديدة، وحشد المزيد من التعاطف الشعبي، وفرض رؤية جديدة على المشهد السياسي، هي عوامل منعت القصر من الدعوة إلى استحقاق جديد، بيد أن الحاجة إلى هز البيت الداخلي للبيجيدي، واختبار متانته، بل وقراءة ردود الفعل، كلها عوامل جعلت المحيط المذكور انفا، يسرع في اتخاذ القرار الذي تحدث عنه البلاغ، لربما دون الاجتماع بالرئيس المكلف، لمعرفة حيثيات فشله، والاستماع إلى وجهة نظره.
سيكون من الصعب الجزم بما سيحدث، بالنظر إلى دقة الأمر، لكن الحاجة إلى تعديل دستوري مستعجل، ليفسر بالتدقيق الكثير من الوقائع التي هي في الحقيقة، وضعت التجربة الدستورية المغربية على محك حقيقي، تفرض نفسها ومنها على الخصوص طريقة تعيين رئيس الحكومة، وتحديد أجال معقولة لعمله في تشكيل الأغلبية، والتنصيص على البدائل الدستورية في حالة فشله، بما فيها الشخصية الثانية من نفس الحزب، والحزب الثاني، دون إغفال معطى إعادة الانتخابات، في حال فشل السيناريوهات الأولى، حينئذ سيكون لرئيس الدولة أساسا صحيحا، منزها عن التأويلات، يعتمد عليه، دون خلق أدنى شك وريبة.
دون هذا المعطى، فإن الاجتهاد في اقتراح الحلول، خارج النص الدستوري، يفقد للوثيقة مصداقيتها، ويعزز العزوف، ويفتح الباب أمام نقاش عقيم لا طائلة من ورائه.
يكتبه إسماعيل أكنكو: طالب باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية
رابط قصير: https://www.tighirtnews.com/?p=27391







