لم تكن صرخات “إجو” المرأة القروية التي تمرغت في التراب أمام المحكمة الابتدائية لـ”تيزنيت”، لتذهب أدراج الرياح، كما لم يكن الألم الذي اعتصر قلبها ليضيع سدى كما ضاع منزلها القروي، على يد شقيق زوجها الذي أرغمها رفقة زوجها السبعيني على الخروج مكرهين من المنزل الذي أفنوا شبابهم فيه بدوار “مشرك إدغزال” بدائرة “لاخصاص” التابعة للنفوذ الترابي لعمالة “سيدي إفني”.
ربورتاج لجريدة “المساء” عدد (الجمعة 24 يناير 2014) (1/2)
مشاهد مؤلمة
المشاهد المقززة والصرخات المؤلمة للمرأة العجوز، أكسبت القضية القديمة / الجديدة بعدا آخر، وجعلتها في مصاف القضايا المثيرة للجدل على الصعيد الوطني، خاصة وأن العفوية التي تمرغت بها العجوز القروية على إسفلت المحكمة، وسقوط غطاء رأسها الذي تعتبره نساء القرية رمزا للحشمة والوقار، سهل مأمورية احتضان قضيتها من طرف رواد الشبكات الاجتماعية ونشرها على نطاق واسع، ما أدى إلى كشف الغطاء عن جزء من الأساليب التي تعتمدها “مافيا العقار” في عملياتها بكل من “تيزنيت” و”سيدي إفني”، والتي تؤدي بعد صدور الأحكام القضائية إلى تسهيل مأمورية تملك الأراضي لغير المستحقين من أفراد تلك اللوبيات، استنادا على وثائق وعقود مشبوهة وشهود الزور.
وبعد التجاوب منقطع النظير مع صرختهما الشهيرة، ارتأى العجوزان تنفيذ اعتصام أمام محكمة “تيزنيت”، للفت مزيد من الانتباه إلى قضيتهما، على أساس إيجاد حل سريع من أعلى الدوائر بالإقليم والجهة والوطن، ورغم الفاقة وقلة ذات اليد، وتزامن الاعتصام مع موجة البرد القارس، ورغم وضعهما الصحي الذي لا يسمح بالمكوث كثيرا في أجواء باردة، أبى العجوزان إلا أن يستمرا في شكلهما النضالي، ولسان حالهم يقول “ماذا سنفقد، بعدما فقدنا مُسْتقرنا الوحيد”، وبعد ليلة قضوها في العراء، وحرصا على سلامتهم الصحية، تدخل فاعلون محليون وتمكنوا بعد جهد جهيد من إقناعهم بضرورة المبيت في مكان آخر يقيهم من البرد والمطر، فانتقلوا على إثره إلى مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، على أساس المبيت به ليلا ومواصلة الاعتصام نهارا أمام المحكمة الابتدائية.
عقود في جنح الظلام
رغم صدور شكايات عديدة، ضد الزعيم المفترض لمافيا العقار، ورغم كثرة طلبات التحقيق الموجهة لوزارة العدل، سواء في صيغتها القديمة أو الجديدة، إلا أن دار لقمان لا تزال على حالها، حيث لا زال المتهم يصول ويجول في ردهات المحاكم والشارع العمومي، متأبطا عدة شواهد وعقود تسمح له بضم أراضي عديدة إلى ممتلكاته المتنامية يوما بعد يوم، علما أنه يعمد إلى إخفاء العقود المذكورة ولا يظهرها إلا بعد وفاة مُعظم المعنيين بها أو اختفاءهم القسري، كما يستعين بنفس الأشخاص الذين يقدمون شهادات مزورة بعدة جماعات بالإقليم، قبل أن يتراجعوا كتابة عن مضمونها بعد فوات الأوان.
مذكرات بحث وطنية
ورغم أن المنزل الذي يملكه العجوزان متواضع في شكله وطريقة بناءه، وكون الأسرة التي تقطنه لا تملك بديلا عنه في الوقت الحاضر، إلا أن شهية زعيم الشبكة المتخصصة في الاستيلاء منذ سنوات على العقارات والمنازل الخاصة، اعتمادا على طرق ملتوية وحيل لا تكاد تنطلي على المتتبع النبيه، حالت دون الوصول إلى تفاهم يحفظ حق الزوجين العجوزين في مسكنهما، إذ لم تشفع رابطة الأخوة التي تربط الرجلين في الإبقاء على أسرة تحصل بالكاد على قوت يومها، كما لم تشفع توسلات المرأة وأنينها في ثني شقيق زوجها عن تحريض الموالين له، وترهيب “إبا إجو” وزوجها “داحماد”، والتسبب في تشريدهم، بناء على عقد بيع وقعه المستولي في ظروف غامضة مع أحد المبحوث عنهم بموجب مذكرات بحث وطنية في جرائم مختلفة.
نفوذ منقطع النظير
لم يقف الأمر عند حد الاستيلاء على الأراضي بطرق ملتوية، ولم يقف عند حد تهديد خصومه بالتصفية الجسدية وغيرها من أساليب الترهيب المختلفة، بل تجاوز ذلك إلى ممارسات غير أخلاقية، من قبيل العمل على تشويه سمعة خصومه بإطلاق منشورات تتهمهم بتعاطي الشذوذ والمخدرات، وغيرها من الأوصاف التي تصف عائلاتهم بالعهر والفجور.
ولعل المتتبع لقضية العجوزين، يدرك مدى خطورة الصراع الذي طفا على سطح المنطقة، بسبب تمادي سماسرة العقار في بطشهم وعنجهيتهم غير المسبوقة، فالأمر تجاوز حدود المألوف إلى مستويات أخرى تقتضي تحليلا خاصا لشخصية المتهمين على ذمة هذه القضية وغيرها من القضايا المماثلة.
ازداد المتهم “ل.و” سنة 1949 بدوار “مشرك” بدائرة “لاخصاص” بإقليم “سيدي إفني”، واشتغل في مجال التجارة، حيث اشتهر في بداية مساره ببيع الخضر والفواكه، قبل أن ينسج علاقات مع بعض المسؤولين من مختلف القطاعات، بفعل تقديمه لمجموعة من الشهادات لدى السلطات المحلية وردهات المحاكم، ولم تمنعه أميته الألفبائية من تولي منصب حاكم الجماعة بالمنطقة التي يعيش فيها، الأمر الذي أهله لتعميق تلك العلاقات التي استثمرها في وقت لاحق للظفر بمنصب رئيس جماعة “سيدي حساين أوعلي”، قبل أن يتم إلغاء انتخابه رئيسا للجماعة، بحكم الطعن المقدم ضده، بناء على شهادة مدرسية مزورة تمكن من الحصول عليها خارج الإقليم، كما استغل فترة تواجده بالجماعة للتصديق على مجموعة من العقود التي اعتبرها سكان دوار “وعلكة” زورا وبهتانا، وانتفض ضدها العشرات من سكان دوار “إفرض”، حيث توجهوا للقضاء ولا زالت قضيتهم متداولة أمام محكمة الاستئناف بأكادير. والأكثر من هذا، أن لا أحد من ساكنة دائرته الانتخابية يتجرأ على معارضته أو الترشح ضده في أي من الاستحقاقات الانتخابية، كما أنه ورغم إبطال رئاسته للجماعة، فقد ظل المتحكم الرئيسي في دواليب القرار بها.
الوشاية الكاذبة وإهانة الضابطة القضائية
ولعل من المرات القليلة التي حوكم فيها بصفته حاكما سابقا لجماعة “لاخصاص”، كانت سنة 1997 حيث اتهم بالوشاية الكاذبة وإهانة الضابطة القضائية بالتبليغ عن جريمة يعلم بعدم حدوثها، فضلا عن اتهامه باستعمال الهبات لحمل الغير على الإدلاء بتصريحات كاذبة، وخلال جلسة المحاكمة التي تمت في أبريل من سنة 1997 استفاض الدفاع على مدى خمس ساعات، في شرح خطورة الأفعال المنسوبة إليه، إلى درجة تشبيهه بالكوميسير “ثابت”، على اعتبار السطو الذي يقوم به على ممتلكات الغير دون وجه حق، وتلفيقه لعدد من التهم لمواطني المنطقة، وخلال تلك المحاكمة، تنفس السكان الصعداء بعد إدانته بستة أشهر نافذة وتعويض المطالب بالحق المدني بمبلغ 6 آلاف درهم، لكن آمالهم سرعان ما أصبحت آلاما بعودة مافيا العقار لنشاطها مجددا بالمنطقة.
يتبع……………………….
رابط قصير: https://www.tighirtnews.com/?p=2566









