عندما يتشاجر الإخوة الصغار على شيء ما يلجؤون إلى تحكيم أباءهم. يحاول الآباء تحقيق العدل بين أبنائهم فينصفوا المظلوم و يعاقبوا الظالم ويعطوا كل ذي حق حقه. في غالب الأحيان يحاول الأخ المعتدي أن يتفاوض مع والديه ويقنعهم بملكيته للعب والأدوات المتنازع بشأنها متظاهرا بالبراءة والأحقية. ما أن يصدر الحكم القاضي بإرجاع ما بحوزته من ادوات مغتصبة لأخيه المظلوم حتى يتمرد المعتدي على هذا الحكم القاسي الذي وضعه في خانة المغتصبين أولا ثم المنهزمين بعد ذلك فيتماطل في تنفيذه. يلجأ في تماطله إلى اللا مبالاة تارة حتى يفسد على أخيه فرحته أو يلجأ إلى تخريب أحد وظائف هذه الأدوات حتى لا تعد ذات قيمة تارة أخرى ثم في النهاية يحاول مشاركة هذه الأدوات مع صاحبها الحقيقي حينما تفشل كل مناوراته.
يوم 07 أكتوبر تصارع بنكيران وأتباعه من جهة والدولة العميقة بأحزابها وإعلامها ونخبها الاقتصادية من جهة أخرى، على السلطة –على الحكومة تحديدا لأن السلطة الحقيقية في المغرب ليست بيد الحكومة- فحكم الشعب لبنكيران بثلث مقاعد مجلس النواب وبرئاسة الحكومة.
الأحزاب الإدارية انزعجت من حكم الشعب لصالح بنكيران رغم بذلها لمجهودات كبيرة خلال الحملة من أجل اقناع الشعب وتحقير بنكيران، معتمدة في ذلك على الثوابت (الأمازيغية..) والمال والاعلام. بعد حكم الشعب اعتمدت هذه الأحزاب ومن يقف وراءها -على غرار المثال الذي سقناه أعلاه- على أساليب المماطلة واللا مبالاة (مؤتمرات داخلية – زيارات خارجية – مشاورات ثنائية..) لتحجيم فوز بنكيران كما لجأت إلى شروط واهية (إبعاد الاستقلال..). لكن بعضها في الأخير قبل المشاركة في الحكومة إلى جانب بنكيران والاستقلال حتى لا يجد نفسه في المعارضة بدون إرادته.
الدولة العقيمة -أو التحكم بتعبير أتباع بنكيران- لجأت إلى هذه الأساليب الطفولية لتوجيه رسائل مفادها:
- انهزام الأصالة والمعاصرة لا يعني انهزام المشروع الذي كان وراء نشأة الحزب.
- المصدر الحقيقي للشرعية ليس صناديق الاقتراع لطالما يجب البحث عن توافقات وتحالفات مع الأحزاب بغض النظر عن عدد مقاعدها.
- منع بنكيران من تشكيل حكومة قوية منسجمة يضيف شرعية الانجاز إلى شرعية الصندوق لبنكيران وحزبه.
- تقييد دائرة تحرك بنكيران وضرورة التزامه بحدود السلطة المرسومة له.
مهندسي هذا البلوكاج الحكومي لم ينتبهوا إلى أنه بسلوكياتهم هذه لا يسيئون إلى بنكيران وحزبه، بل يهينون أكثر من مليوني مغربي راشد –ثلث المقتنعين بالتجربة الديمقراطية المغربية- ذهبوا بإرادتهم الحرة وبوعيهم السياسي إلى مراكز الاقتراع لترسيخ الممارسة الديمقراطية بالبلد ولمنح فرصة أخرى لبنكيران للاستكمال وصفته الاصلاحية التي أقنعهم بها خلال حملته الانتخابية. لكن البلوكاج الحكومي الحالي سيجعل هؤلاء يفقدون ثقتهم بالتجربة الديمقراطية ويحسون بأن اللعبة السياسية بالبلد، لا تعطي أي قيمة لصوتهم زيادة على تأثرهم المباشر وغير المباشر بتعطيل كل مرافق الدولة طوال هذه المدة.
النتيجة الحتمية لكل ذلك هو ضعف المشاركة السياسية وثقة المواطنين بمؤسسات البلد وبالتالي غياب تأثير الحكم الشعبي على سيرها، وهذا بالضبط ما يحدث في بعض البيوت جراء عصيان الأبناء لأحكام ابائهم فتنشأ صراعات لا تنطفئ إلا بتدخل الجيران ومقدم الحومة.
يكتبه: محمد أبطان – تغيرت نيوز
رابط قصير: https://www.tighirtnews.com/?p=25056







