محمد أنفلوس (*)
لا زلنا في قراءة متأنية لانتخابات سيدي إفني، نحاول تفكيك ما حدث كلما استطعنا إلى ذلك سبيلا .. أجبنا في المقال السابق عن الرسالة القوية التي وجهتها سيدي إفني بمقاطعتها الكبيرة، كما اقتربنا من بعض نقط قوة فوز بومريس بالمقعد الثاني. ونروم في هذا المقال الإجابة عن كيف اكتسح بلفقيه تشريعيات 07 أكتوبر 2016. وكيف “ضرب عليهم الدورة” كما يقول خبراء سباق العشرة الاف متر.
ففي الوقت الذي احتفل بلفقيه بفوزه المبين بعد تخطيه عتبة الثمانية الاف صوت حوالي الساعة التاسعة مساء، شهد المقعد الثاني تنافسا شرسا بين المصباح والتراكتور والسنبلة، الصندوق الذي يأتي يعطي الفوز لاحدهم والصندوق الذي يتبعه ينتزعه منه وهكذا إلى حوالي الواحدة ليلا ليتوحد القول على فوز بومريس بالمقعد الثاني بفارق أربع ثواني ….
إن ما فعله بلفقيه هذه المرة يمكن أن يحيل على مجموعة من التحولات الغير مرئية التي أصابت العقل السياسي والمنطق الانتخابي بالمنطقة ..
أول ملاحظة

البرلماني محمد بلفقيه
أول ملاحظة هي أن بلفقيه استطاع أن يحتفظ بمقعده البرلماني للمرة الثانية عكس سابقيه وربما حتى لاحقيه، فاز المرة الأولى 2011 وسيدي إفني تشهد أكبر نسبة مشاركة في تاريخها، حين أعطت كل أصواتها لابنها عصام محمد جزاء شكورا، ثم أنه فاز في المرة الثانية وسيدي إفني تشهد أكبر نسبة مقاطعة وأشدها زمهريرا ..
محمد بلفقيه الذي يلقبه الكثيرون بـ”مختفون” لأنه لا يظهر في الصورة إلا لماما وحتى الإفناويون لا يسألون عنه، لأنهم لم يمنحوه أصواتهم في المرة السابقة، لذلك تعاملوا معه بشعار لا ضرر ولا ضرار، استطاع هذه المرة أن ينزع العديد من اصوات سيدي إفني بشكل غريب، حتى أنه جاء ثانيا بعد بومريس رغم الحملة الشرسة التي تعرض لها قبل الانتخابات ..
محمد بلفقيه الذي يقول عنه خصمه الذود محمد عصام في تدوينة فايسبوكية “أطيب الناس معشرا وألينهم رفقة وأكثرهم بشاشة وأرفقهم مخالطة، ولكن العمل النيابي شيء والمسؤولية شيء آخر”.
كيف فاز بمقعده للمرة الثانية وبهذا الشكل المريح؟
السبب الأول والرئيسي في نظرنا يرجع إلى تمدد الحركة الوهابية التي يقودها أخوه “الأصغر” عبد الوهاب بلفقيه، الرقم الصعب في جهة كلميم واد نون .. عبد الوهاب بلفقيه الخبير في صناعة المشهد الانتخابي على صعيد الجهة وليس سيدي إفني فقط، وبكل الوسائل بمنطق ميكيافيلي يبرر كل الوسائل للظفر بالغاية أعطى درسا لمنافسيه الرسميين والغير الرسميين وحتى الافتراضيين ..
ولا يخفى على أحد أن الحديث عن فوز البرلماني محمد بلفقيه، الذي يعيش في جلباب أخيه، هو محض افتراء .. لأن عبد الوهاب هو من أنجحه برلمانيا بسيدي إفني لمرتين وهو من نصبه رئيسا لمجلس بلدية كلميم حاليا حيث النزعة القبلية في أحلك حالاتها وهو من أجلسه على كرسي المجلس الإقليمي لكلميم وبواديها وهو من انجح أخرين غيره .. ومع كل استحقاق انتخابي يتضح بروفايل الباعمراني القادم من جبال أيت عبد الله كخبير في صنع وجوه سياسية وطمس أخرى ورسم خرائط ونسف أخرى ..
لاشك أن المال كان له دور حاسم في الأمر، إلا أنه لم يكن كافيا على اعتبار أن الكثير من منافسيه وظفوا المال هم أيضا ووظفوا السماسرة والريع المالي والأساليب القذرة الغير النظيفة هم أيضا، إلا أنهم لم يظفروا بعشر أصواته .. ربما قوته في كلمته .. يقول أحد المقربين منه، إنه إذا التزم معك في كلمة يموت دونها ..
من جهة أخرى يتساءل خصومه من أين له كل هذا المال وما مصدره؟، ثم ماذا سيستفيد من مقاعد برلمانية أو جماعية صرفت عليها الملايين .. وأن إعادة قراءة أصوات الدوائر التي حصل عليها بلفقيه تحيلنا إلى تتبع أهم بميكانيزمات الماكينة الوهابية ..
أولا أن الانتماء لحزب عتيد برصيده السياسي الكثيف ومكانته في تاريخ المغرب تجعل بلفقيه على الأقل ايديولوجيا بعيدا عن مرمى لعنة الانتماء، فدماء بنجلون وبن بركة أوسمة يحسن رفاق بلفقيه توظيفها في المحافل وفوق المنصات .. ثم أن بلفقيه عبد الوهاب انتزع مقعدا من داخل المكتب السياسي متجاوزا مناضلين صناديد وأكاديميين ومثقفين ورفاق قطعوا أحذيتهم في الطريق .. أضف إلى ذلك كله أن سيدي افني اعتبرت تاريخيا قلعة اتحادية حتى أن المرحوم الاتحادي ابكا فاز بمقعده البرلماني بسيارة “اركاط” بيضاء تسر الناظرين، في مواجهة أسطول الدرهم وعنفوان دراهمه ذات انتخابات .. حين كان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لا يعول بعد الله إلا على قواته الشعبية ..
ثانيا انتخابات إفني أكدت أن بلفقيه لا يغير الفريق الفائز، فقد احتفظ بنفس وصيف اللائحة الحسين كاضيض بانتمائه الرمزي للنصف الآخر من الإقليم .. وبذلك ضرب عصفورين بنصف حجرة ..
ثالثا بلفقيه استعمل مستشاريه “بالزيز وبالخاطر” وفر لهم المال واللوجستيك والأهم وفر لهم ثقته رغم أنه يعرف أن نصفهم فقاعات انتخابية لا يسمنون ولا يغنون من أصوات .. وحتى الذين زكاهم في الانتخابات وفشلوا استعان بهم لجلب الأصوات رغم أنهم في حكم المنخنقة والمتردية وما أكل السبع ..
رابعا بلفقيه وظف الإعلام بكرائه لمساحات إعلانية على ثلاثة مواقع كبرى محلية ووظف كتائبه الالكترونية وأدار حملة انتخابية بشكل محترف يعرف من أين تؤكل كتف الكتلة الناخبة، حتى أنه شوهد أكثر من مرة يجوب الإقليم شمالا وجنوبا .. ولم يهدأ له بال حتى أقفلت المكاتب أبوابها ..
خامسا في الوقت الذي تكالبت عليه أكثر من جهة، وتوحد ضده أكثر من مستشار إقليمي وبلدي وقروي وحتى بعض الجهات الرسمية التي رأت في بلفقيه نسخة منقحة من ولد الرشيد الذي يحكم الصحراء بعائلته وبقبضة من تحالفات، فهم عبد الوهاب أن كل استحقاق انتخابي هو مسألة حياة أو موت، وأن أي فشل في انتزاع مقعد هو مسمار في نعش امتداده السياسي.
سادسا ربما أن أكبر نقط قوة بلفقيه هي قدرته العجيبة على التعلم السريع من أخطائه .. وكلما كثرت اخطاؤه اتسعت معارفه..
سابعا وأخيرا، رغم اختلافنا الجدري مع بلفقيه ورغم ما قيل عن فساده أو إفساده للعملية الانتخابية ورغم شراسته في القتال ومكيافيليته الزائدة ولعبه الغير النظيف، إلا أنه رقم صعب أنجبته هذه الأرض التي سيظل ما عليها يستحق الحياة..
السؤال الآن، لماذا فقد محمد أبودرار مقعده؟ الإجابة في المقال القادم.
(*) عن موقع إفني نيت من سيدي إفني
رابط قصير: https://www.tighirtnews.com/?p=24070







