سليمان لبيب (*)
من الملاحظ أن الانتخابات المرتقبة في 70 أكتوبر2016، هي الثانية في ظل الدستور الجديد لعام 2011، ولأنها استحقاق بالغ الأهمية، من حيث السعي إلى تعميق الإصلاحات داخل البلاد، وضمان الاستقرار في منطقة تعج بالاضطراب، فإنها حبلى بالرهانات والتطلعات، سواء من قبل الدولة بوصفها محور السياسة، أو من لدن مختلف الفاعلين السياسيين الذين يرون أن هذه الانتخابات سترسم ملامح المغرب الجديد في السنوات القادمة.
واستعدادا لهذا الاستحقاق، اتفقت جل الأحزاب السياسية المغربية على تأجيل عقد مؤتمراتها إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، إذ أرجأت مؤتمراتها الوطنية إلى ما بعد الانتخابات، وبتأجيل المؤتمرات الوطنية لعدد من الأحزاب سواء التي تنتمي إلى الأغلبية الحكومية أو إلى صفوف المعارضة، تكون هذه الأحزاب قد حافظت على زعمائها وقادتها إلى حين خوضها غمار الانتخابات المقبلة التي ستسفر عن تشكيل حكومة مغربية جديدة.
ومن الآن بدأت تتكشف خيوط التحالفات الحزبية للحكومة المقبلة شيئًا فشيئا قبل موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة، من خلال اصطفافات وتقارب أحزاب، وإعلان أحزاب أخرى عن لقاءات مشتركة للتنسيق استعدادًا لهذا الاستحقاق الانتخابي.
وفي هذا الإطار، أصبحت تظهر ملامح التنسيق بين حزبي “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”الأصالة والمعاصرة” تحضيرًا للانتخابات التشريعية المقبلة، وذلك من خلال اللقاء بين قيادتهما. ويبدو أن “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” أخذ موقعه بشكل واضح إلى جانب “الأصالة والمعاصرة” للتحالف في الانتخابات وما بعدها.
في جهة مقابلة، يسير حزبا “العدالة والتنمية” و”التقدم والاشتراكية”، نحو التحالف استعدادًا للانتخابات التشريعية المقبلة، على الرغم من الفوارق الإيديولوجية بينهما، فالأول يقدم نفسه على أنه حزب بمرجعية إسلامية، والثاني يتمسك بمرجعية اشتراكية.
ومن خلال هذه التحالفات المحتملة تتضح بوادر وملامح الحكومة المقبلة، فإذا نجح حزب “العدالة والتنمية” بتصدر الانتخابات المقبلة مرة أخرى، فإنه سيعيد تشكيل فريقه الحكومي الائتلافي، ممثلاً في “التقدم والاشتراكية”، و”الحركة الشعبية”، ثم حزب “الاستقلال” الذي بات التقارب معه أكثر من أي وقت مضى، ليعوض خسارة حزب “الأحرار” الذي ظهرت توترات وتبادل اتهامات بينه وبين رئيس الحكومة في الفترة الأخيرة.
وفي السيناريو الثاني، إذا حاز حزب “الأصالة والمعاصرة” على المرتبة الأولى في الانتخابات، فإن المجال سيُفسح أمام “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” الذي أعلن تنسيقًا وتحالفًا معه، وأيضًا أمام حزب “الأحرار” الذي قد لا يشارك في الحكومة المقبلة برئاسة “العدالة والتنمية”، بدليل تصريحات بنكيران الأخيرة التي قال فيها إن الحكومة ستحاول الاستمرار خلال الأشهر المتبقية بجانب “الأحرار”، وبعدها لكل حادث حديث.
وتجدر الإشارة أن هذه الانتخابات تأتي بعد الانتخابات الجماعية والجهوية التي تم تنظيمها في 04 شتنبر 2015، وحددت على المستوى العملي معالم انتخابات أكتوبر القادم، بتحديد خطوط التنافس، ونوعية القوى المتنافسة.
إذ فاز بالمرتبة الأولى من حيث المقاعد حزب الأصالة والمعاصرة، متبوعًا بحزب الاستقلال، يليه في المرتبة الثالثة حزب العدالة والتنمية، وعملا بهذه المؤشرات ودون استحضار حالة الاستثناء يتوقع أن تتمحور المنافسة في الانتخابات البرلمانية حول حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، وستنحصر بالمقابل أدوار التنظيمات السياسية الأخرى في التحالفات التي سيحتاج إليها الحزب المتصدر لنتائج الانتخابات.
وعلى ما يبدو فإن المشهد السياسي الحالي من خلال الخريطة الحزبية التي تشكله، قد لا يعرف اتجاهًا نحو قطبية سياسية منطقية طرفاها حزبا العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة. فمن ناحية ما زال حزب العدالة والتنمية لم تستقر رِجلاه بشكل تام في علاقته بالدولة، وما زال حزب الأصالة والمعاصرة مفتقرًا إلى سمات الحزب الطبيعي نشأةً وتطورًا وهويةً سياسية، وما زال قُطبًا انتخابيًّا لا قطبًّا سياسيًّا، لارتباط مشروعية وجوده بالسعي لخلق التوازن مع الإسلاميين. كما أن الأداء الحزبي بالمغرب عرف انتكاسة قوية، سواء من خلال الخطاب المعتمد، أو من خلال الممارسة والتعاطي مع الكثير من القضايا المهمة التي لها علاقة بالسلم الاجتماعي كملف صناديق التقاعد، وأزمة البطالة والسكن وتحسين الدخل ومحاربة الفوارق الاجتماعية المهولة، أو باقي الملفات التي شكلت مرتكزا أساسيا بنت عليه الكثير من الأحزاب السياسية برامجها، وأطلقت الكثير من الوعود في سبيل ذلك كمحاربة الفساد بمختلف أشكاله.
ويبقى الرهان المطروح في هذا الاستحقاق، الذي يعتبر الثاني من نوعه بعد صدور الدستور الجديد، هو تقديم نخب حزبية قادرة على مواصلة قيادة سفينة الإصلاحات التي انخرط فيها المغرب منذ خمس سنوات، وتحسين الأداء الحزبي لكسب ثقة الناخبين وخاصة الشباب المغربي، والعمل على أن تحظى العملية الانتخابية المقبلة بالانتظام، والمشاركة العالية للناخبين، والتنافس الشريف بين الأحزاب والتنظيمات السياسية، وأن تفرز نتائجها قوة أو قوى سياسية قادرة على إدارة العمل الحكومي، وصياغة سياسات عمومية مستجيبة لتطلعات الناخبين والمواطنين عموما.
(*) نائب رئيس جماعة تيوغزة (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)
رابط قصير: https://www.tighirtnews.com/?p=22797







