الرئيسية » أغراس أغراس » منبر الأحرار »

الانتخابات التشريعية القادمة بين ثلاثي “الدين، الملكية، المال”

filesلقد أبانت الانتخابات المحلية والجهوية الأخيرة على الاستعمال المهول للمال الفاسد من أجل الظفر بمقاعد محلية أو جهوية وزاد من “السميك الريعي” المغري للفساد، الصراع المحموم من أجل الظفر بالجهات في تجربتها الأولى، مع غياب الوعي بكون المؤسسات يجب أن تحمي المجتمع والدولة في عالم متحول ومضطرب

يكتبه: كمال الهشومي / أستاذ باحث

ونحن على أبواب انتخابات تشريعية سترهن المغرب والمغاربة لمدة تشريعية وتنفيذية ممتدة قانونيا ودستوريا لمدة خمسة سنوات ولائية، فترة ممتدة بكل التحديات التي يمكن أن يتم الرهان عليها عادة كأي فترة سابقة، بمعطياتها وتفاصيلها ضمن المسلسل الديمقراطي المتعاقد بشأنه من طرف مختلف القوى الحية بالمجتمع المغربي. والمناسبة هنا ليس للتذكير بهذه التفاصيل التي تكاد تكون مملة وفق كل مرحلة أو كما يسميها المواطن “الغير الملتزم” بالحمى الموسمية. إن المناسبة تفرض علينا اليوم التساؤل؛ بأي حال وكيف يمكن أن نقارب ونستشرف الانتخابات المقبلة، من حيث التحضير والتعبئة وطريقة التنافس، خاصة بعد فترة دستورية انتقالية قيل بشأنها الكثير وأسالت مدادا كثيرة، واجتهد في موضوعها المجتهدون.

لقد جرت تحث جسر المياه كثيفة منذ الإصلاح الدستوري، ونعتقد اليوم ليس لدينا -أو من المفروض أن يكون كذلك- أن تكون لنا الامكانية بالاجتهاد الخارج عن ما تم التوافق عليه، طبقا لروح دستور 2011، الذي يعتبر من جميع النواحي محطة مهمة في تاريخ الاصلاح الدستوري الذي عرفه المغرب. فاليوم يتم التفاوض بشأن القوانين الانتخابية، من حيث تفاصيل التنظيم وإرساء نظم اللعبة من جهة، ومن جهة أخرى من حيث النسب والتمثيل والتوزيع الترابي، لكن من الصعب مناقشة النوايا والمرامي في موضوع يرتبط وينظم العملية الديمقراطية في فترة انتقالية تصحيحية قانونيا وتشريعيا. ولكن الاتجاه يميل حسب موازين القوى ومنطق التبعية الغير الظاهرة. فاليوم ما استجد في المشترك العمومي من استعمال لمجموعة من التوصيفات والمصطلحات في الطعن او التجريح، لا يمكن الا ان يبخس من مفهوم الاختلاف، وان يزيد من نفور المواطن في المشاركة في العملية السياسية.

ولعل أكثر ما يبرهن منذ بداية هذه الحكومة في مرجعية وخلفية عملها ما تذهب إليه في  كل مناسبة، وخاصة عن طريق السيد رئيس الحكومة الذي لا يتردد في ذلك، بالتأكيد في كل مناسبة وحتى بدون مناسبة بإخلاصه للمؤسسة الملكية، وبأن من يدعوه إلى ممارسة اختصاصاته كرئيس للحكومة بناء على مرجعية دستورية دسترة له مجموعة من الصلاحيات والحقوق، حتى يستطيع المجتمع والدولة المغربية من انهاء حالة الانتقال الديمقراطي إلى مرحلة الترسيخ الديمقراطي، بتقوية دور المؤسسات وإعمال القوانين. نجده يبالغ في كون من يدعونه إلى ذلك هم يريدون إذكاء الصراع وإنتاج مشاكل له مع المؤسسة الملكية، كيف ذلك واليوم الكل واع وعاش مسلسل الاصلاحات المؤسسة بخطاب ملكي لتاسع مارس، خطاب أسس لمحاور كبرى للإصلاح في شكلها وتغيير كلي في عمقها، وإنشاء آلية استشارية وأخرى سياسية لتلقي الاقتراحات، بل تقدم الملك بهذه الاصلاحات للشعب المغربي ومطالبته له بالتصويت لصالحها، أي أنه هو يهدف وبرضى ووعي كامل منه أن يؤسس لدولة المؤسسات، وكل مؤسسة لها صلاحيتها. لكن لا يفوت رئيس الحكومة الفرصة سواء بالمؤسسة التشريعية بغرفتيها، وكل التجمعات الشعبية التي يحضر فيها، بالتأكيد على أنه ملكي وبأنه في خدمة الملك.

هذا ومن جهة أخرى لا يكف عن تغليف الخطاب السياسي بمصطلحات دينية وغيبية من قبيل الجنة والنار، الحلال والحرام، الشياطين والملائكة…. وغيرها من الاستعمالات الرخيصة للدين في الصراع السياسي. فهل إصراره يعني أنه يريد اطمئنان جهة معينة ما، بأنه وفي ومخلص لمن ائتمنه على الحكومة؟، أم أن في قلبه زيغ وشك بما يدعيه؟، أم أنها الوسيلة الناجعة والطريق السهلة اليوم من أجل التقرب إلى أصوات المغاربة؟، باعتبار مكانة جلالة الملك لدى المغاربة. لأنه من الصعب تكرار هذه اللازمة في الوقت الذي من المفترض التعبير عن الحب والاخلاص للملك من خلال العمل الجاد والنزيه والصادق والواضح لاستتباب الامن المجتمعي، وليس خلق مجموعة من التوترات وإذكاء مجموعة من النعرات والصراعات مع مختلف فئات وأطراف المجتمع. فحينما يعبر المجتمع عن احتياجاته وانتظاراته فإنه ينتظر من يجيبه بحلول عملية واقتراحات ناجعة وليس بالقسم بالله وبالتصنم وعدم التراجع، وبالتالي خلق جو من التوتر للمجتمع، والذي كاد في كثير من المحطات أن يؤدي إلى أحداث متنوعة ببلادنا بنتائجها المتحكم فيها، لكون السيد رئيس الحكومة أقسم أكثر من مرة، وفي ملفات جد حساسة، أنه لن يتراجع عن بعض قراراته، وكأن هذه القرارات قرآن مقدس منزه عن الأخطاء، مما يعرض كل المكتسبات للتلاشي، ولتراجعات كبيرة وفي مختلف المجالات.

إن مالا يصاغ اليوم هو التعلق بشماعة ثوابت الأمة، فمفهوم تدبير الصراع بالمجتمع بشكله السلمي، هو الاحتكام إلى قواعد الديمقراطية في توازي تام بين مختلف الفرقاء وتنفيذا للقوانين وللمساطر المعنية، وأهم ما ابدعته البشرية في هذا المجال هي الانتخابات، وحينما نجد أحد الأطراف يتبرر بما هو اجماع بدور المجتمع المغربي على تقبل كل التضحيات المرتبطة بالقوت اليومي، وأنه الأقوى لاحتلاله الصف الأول في الانتخابات بغض النظر عن الأرقام والنسب المئوية المرتبة بعدد المسجلين والنسمة عامة، فهو هروب الى الأمام، وتقمس لدور بئيس أكيد لن تنتج عنه إلا نتائج بئيسة على مستوى التطور الديمقراطي لبلدنا. هذا البلد الذي بفضل تضحيات ونضالات حركات التحرر الوطني وامتداداتها عبر الأحزاب الديمقراطية الوطنية، هي من ساهمت في الانتقال إلى توافق تناوبي أسس لهذا الانتقال الديمقراطي، ورصص لأرضية صلبة لمفهوم الحقوق ولمقاربة ديمقراطية حقيقية، قد نختلف في درجة تصلبها ومتانتها، لكن أكيد سنتفق على مدى نجاعتها والخروج بالبلاد من بوثقة التحكم والتسلط نوعا ما، وهو ما تجلى فيما عرفه المغرب نتيجة للحراك الاجتماعي الإقليمي من مدى وعي الحركة الاحتجاجية المغربية ومسؤوليتها في وضع ميثاق تأسيسها بشكل مقبول وموضوعي، تجاوبت معه المؤسسة الملكية بشكل استباقي ومؤسس لمرحلة جديدة اخرى. وهي المرحلة التي تم فيها القطع مع الرجوع إلى سنوات الخوالي الغير مأسوف عليها، بتأكيد من الدولة وبانخراط القوى الديمقراطية. وأن نأتي اليوم ونقول؛ “لو أراد جلالة الملك اليوم أن يرميني في غياهب السجن فانا مستعد”، فهو تعبير يريد بنا الرجوع إلى خمسين سنة من التطور والتقدم للأسف. حقيقة قد يكون الأمر له معنى صادق حينما يقدم رئيس الحكومة مبادرة جديدة وقوية لمحاربة الفساد بمختلف اشكاله وعلى كل المستويات، ويصرح بكونه لو لم يتم احترام صلاحياته في هذا الشأن سيكون أمامه النضال والإصرار، حتى ولو سجن وهذا ما عرف به مبتكروا ومناضلوا أيام العز النضالي لأبناء المغرب الحديث، وليس التوجه بالكلام على عوانه، والتعلق بالمؤسسة الملكية كمحاولة بائسة لكسب نقط انتخابية، وهو لا يفطن او يتعمد ذلك بأنه يضرب مسارا من التقدم والنضال عرض الحائط.

من جهة أخرى لقد أبانت الانتخابات المحلية والجهوية الأخيرة على الاستعمال المهول للمال الفاسد من أجل الظفر بمقاعد محلية أو جهوية وزاد من “السميك الريعي” المغري للفساد، الصراع المحموم من أجل الظفر بالجهات في تجربتها الأولى، مع غياب الوعي بكون المؤسسات يجب أن تحمي المجتمع والدولة في عالم متحول ومضطرب، وفي موقع اجتماعي لبلادنا تؤكد مختلف التقارير والدراسات الاستراتيجية على التهديدات بمختلف الأنواع ومن جهات متعددة ومتنوعة. فحماية المؤسسات تكون من خلال تحمل مسؤولية تدبيرها من طرف من لهم المصداقية والكفاءة والنجاعة وتراكم المصداقية. وإلا أمام أي رياح ولو كانت سرعتها بطيئة سندفع الثمن جميعا، وهو ما يلوح في الأفق بعد احتدام الصراع بالشأن العام واستباح كل الوسائل. فكيف يمكن أن نحمي مؤسساتنا التشريعية التي تنتج لنا المؤسسة التنفيذية، أليس الأمر مخاطرة أمام هذا الثلاثي المخيف من استعمال الدين في التنافس السياسي والادعاء باستقرار البلد وبنظامه السياسي لجهة فضل على أخرى والارتماء في أحضان الفساد الانتخابي، وبالتالي بأي حال ستعود علينا هذه المفاهيم الديمقراطية التي دافعنا وتعاقدنا عليها جميعا عشية السابع من أكتوبر 2016.

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك