إن النقد هو نوع من العلاقة التي تضعنا دوما، في أزمة مع الآخر أو مع الذات. أن نمارس النقد هو، بشكل من الأشكال، أن نؤزم علاقتنا مع الموضوع الذي نمارس عليه هذا النقد، سواء كان سلوكا أو ممارسة معينة أو ذوات ما. لكن الأزمة (أو التأزيم) هنا ينبغي النظر إليها انطلاقا من منظور إيجابي خلاق ومنتج، وليس من منظور سلبي وغير منتج، لأنها مجرد قناة أو وسيط نتوخى من خلاله إعادة بناء الشيء أو الذات التي ننتقدها، نقف عندها للتمعن مليا في تكوينها وأفكارها وممارساتها بالشكل الذي يساعدنا على إدراكها وفهمها بشكل جيد. لا يمكن إيقاف النقد بمبرر ما يسمى (بجلد الذات) لأن توقف النقد يعني توقف التطوير. فعلى المستوى الفردي يمارس الإنسان النقد الذاتي بصفة مستمرة وهذا يساعده على عدم تكرار الأخطاء وعلى تعزيز ما لديه من إيجابيات وعلى التطوير المستمر وتحقيق النجاح.
وعلى مستوى المجتمع ينتقد المجتمع نفسه من خلال المجالس المنتخبة والمؤسسات الحزبية والنقابية ليس من أجل جلد الذات ولكن من أجل التغيير والتطوير نحو الأفضل وطالما وجد العمل فسوف يوجد النقد، وليست المشكلة في وقوع الخطأ ولكن في تكراره واستمراره. فالثقة عنصر أساسي في هذا الموضوع فمن يملك الثقة لن يجد مشكلة في نقد نفسه أو تلقي النقد من الآخرين، وهذا كلام ينطبق على الأفراد والمجتمعات وعندما يفتقد الانسان الى الثقة فإنه إما أن يرفض النقد أو يكتفي بجلد الذات.
النقد على المستوى السياسي له وظائف عديدة نذكر منها على سبيل الذكر:
- الوظيفة التصحيحية: يسعى الناقد من خلالها إلى التنبيه لمواطن الخلل والقصور في موضوع أو فكرة أو ممارسة ما من أجل تصحيحها وتقويم اعوجاجها.
- الوظيفة التكميلية الاستدراكية: تروم سد الثغرات أو تفصيل المجملات، أو تقييد المطلقات، أو توضيح المبهمات، أو تخصيص العموميات والأفكار الفضفاضة أو كشف المتناقضات.
- الوظيفة البنائية: حيث يعيد الناقد صياغة الممارسة السابقة صياغة جديدة من أجل تطويرها وتحيينها والتأسيس عليها، وإعطائها نفسا آخر وربما من زاوية نظر أخرى استنادا إلى منهج علمي واضح لا يحابي موقفا ولا حزبا ولا طائفة، ولا يتحرج في ذكر فضائل الموقف الآخر ومحاسنه.
إن النقد بهذا المعنى عملية صحية سليمة، بل جراحة ضرورية لكل عمل إصلاحي جاد يبتغي الرشد والتجدد المستمر، والسالك درب التغيير يلزمه في كل لحظة عرض نفسه على مصفاة النقد للتطهر من نوازع النفس ومن زلات الممارسات الفردية أو حتى الجماعية.
يكتبه: سليمان لبيب / تغيرت نيوز من تيوغزة
رابط قصير: https://www.tighirtnews.com/?p=21186







