
بدأت المعالم الأولية لخريطة الانتخابات البرلمانية المقبلة بسيدي إفني تتضح شيئا فشيئا، وذلك من خلال قراءة مجموعة من التحركات والمعطيات ذات الصلة باللعبة السياسية والاستحقاق المقبل، عبر تتبع وتحليل مجريات الفعل السياسي بالمنطقة. الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي يتزعمه بالجنوب المغربي عضو مكتبه السياسي عبد الوعاب بلفقيه، قد يكون أول من فهم أن ظروف اللعب السياسي حاليا بإقليم سيدي إفني جد صعبة وغير مواتية وجد معقدة وليست لصالحه، وذلك بعد الكثير من المؤاخذات على ولاية ممثل سيدي إفني داحل البرلمان محمد بلفقيه، خصوصا ما يتعلق بالتفاعل الحقيقي والتحرك الميداني مع مطالب الإقليم، ومنها قضية الترامي على أراضي السكان، ومسألة الميناء التي عادت إلى الواجهة من جديد، وهو أقدم ملف مينائي بمغرب ما بعد 56 لم تتم معالجته، إلى جانب أخطاء عبد الوهاب بلفقيه في تدبير الشأن السياسي للحزب بالجهة ككل، والذي ترى للجميع في الانتخابات الجماعية الأخيرة من خلال منح التزكيات لأطر غير كفاءة و أخرى غير ذي تجربة سياسية ترى في قربها من المتحكمين في تحريك الخيوط المشبوكة كافية للتسلق السياسي، وأخرى ربطت الانخراط في الفعل الانتخابي مطية لأغراض شخصية لا غير، وهو المرض العضال في الممارسة السياسية بالمغرب، أضف إلى كل ما سبق حروب سيناريوهات تأسيس مجالس الجماعات والبلديات والأقاليم التي عرفت شدا وجدبا داخل البيت الاتحادي، وكاد أن يعصف به في أكثر من مرة، وهو ما أثر سلبا على خطة عبد الوهاب بلفقيه في السيطرة على مجلس الجهة، وأدخله في حرب ضروس مع ال بوعيدة التجمعيين ولم تضع تلك الحرب أوزارها إلا بتدخل العصى السحرية للعاصمة الرباط.
انكسارات بلفقيه المتتالية وظهور بوادر عدم الرغبة فيه بسيدي إفني سيتعزز أكثر بعد الانتقادات الشديدة اللهجة للمجتمع المدني على سياسة الأذان الصامة، وغلق الأبواب، والقرارات العشوائية…. لمن تم الدفع بهم لتذبير شأن إقليم سيدي إفني من قبل الاتحاد الاشتراكي، وهو الأمر الذي تفطن له بلفقيه عبر إرساله كشفرات في العديد من اللقاءات والنقاشات ذات الطابع السياسي على مستوى الجهة، وهنا يمكن أن نقول أن اعتماد عبد الوهاب الدائم على القرابة الدموية في السيطرة على الرئسيات في المنطقة، له ما يبرره من ناحية الغذر السياسي للكثيرين ممن ساهم في خلقهم وأضاروا ظهورهم له، وتلك من تجنيات اللاتربية السياسية القناعاتية الحزبية في علاقاته ببعض النخب المحلية التي ترى في عبد الوهاب La Boîte à merveilles وقد أضر ذلك بشعبية الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية بإفني بزعامة عبد الوهاب بلفقيه، اخر ديناموات رفاق التغجيجتي إدريس لشكر، ليتداول في الأوساط السياسية كون حزب الأصالة والمعاصرة قد عقد اتفاقا مبدئيا مع الإتحاد الإشتراكي على أن يقسما الأدوار بأن ينسحب الأخير من سيدي إفني والبام من كلميم على أساس أن يدعم كل منها الأخر في مكان تواجده.
البام هو الآخر تلقى ضربات قوية على مستوى إفني أولاها عدم تجاوب النخب الافناوية مع المشروع الجديد منذ بداية ظهوره في حركة لكل الديمقراطيين بقيادة المستشار الملكي فؤاد علي الهمة، إلى الأصالة والمعاصرة على شكله الحالي بالدهاء السياسي للريفي الياس العمري، وقد ظهر البام بالمنطقة بظهور رجل الأعمال محمد أبودرار الغير معروف كسياسي بسيدي إفني، وهو التكتيك الذي ينهجه البام حيث يرى ذلك مناسبا، فالمناطق التي لم يستطع أن يضع فيها قدمه عبر خلخلة النسيج السياسي المحلي واستقطاب المجتمع المدني، ويصنع لنفسه موقع البديل السياسي الذي يلجأ اليه، يأتي برجل أعمال لم يكن له ماضي سياسي وتذبير محلي أسود بمعنى “حسن سيرة جيد ورصيد بنكي وافر”، كألية من آلية الإستقطاب والتنظيم، فالولادة القيصرية للبام كانت على أساس نسج شبكة علاقات عنكبوتية تجمع بين ما هو سياسي، اقتصادي، حقوقي، مدني، رياضي، ثقافي …. وإعلامي.
فكان البام بإفني يسير بخطى السلحفاة في بناء نفسه بهذا النهج بالإقليم، لكن الانتخابات الجماعية الأخيرة قصمت ظهره، وابانت عن تضادين لا يمكن أن يسيرا في نهج واحد طموح العديد من الوجوه الشابة خاصة من تيار طلبة سيدي إفني الذين رغبوا في اختبار التجربة برصيد ثقافي ونضالي محترم، وآخرون ممن يتقنون اقتناص الفرص، وبيروقراطية التسيير لأصحاب الشكارة الذين يعانون من قلة درايتهم بالعمل السياسي وضعف مستوى مرافاعاتهم حول ملفات المنطقة، وقلة خبرتهم في فتح واستغلال قنوات الضغط القوية التي يتيحها التقرب من صقور البام، وصراع التزكيات، وكانت نتيجة ذلك بظهور انشقاقات عديدة بالبام بسيدي إفني شلت توازنه وأربكت حساباته، لكن حديث عهده بالمنطقة اسكنه أملا في البقاء والمحاولة والبحث عن توافقات خارجية مع احزاب أخرى لتقسيم الأدوار والحفاظ على مقعده بالبرلمان، وضغوط حزبه المركزية المراهنة على الحصول على الأغلبية لتشكيل الحكومة هي الأخرى ثقل كبير على البام بالإقليم.
ومنه يأتي ما يتداول بينه و بين الاتحاد الاشتراكي من اتفاق، فهل سيبقى أبودرار مكانه أم بن مبارك أم أن أسهم بوصة البام المركزية هي من سيحدد، وهل سيكون الشاب لحسن بلفقيه هو حامل مدفعية الاتحاد بإقليم كلميم، غير أن ظهور الشاب الإفناوي مصطفى بيتاس الذي يحمل قميص التجمع الوطني للأحرار ومقرب من أخنوش وحسن الدرهم الذي أعلن ولاءه مؤخرا لمربيي الحمام، قد يبعثر حسابات فقهاء الانتخابات البرلمانية بسيدي إفني فالشاب له طموح كبير واحتكاك مقبول جهويا ومركزيا بالشأن السياسي، ويعاب عليه الضعف في التواصل مع النخب الإفناوية بكل أطيافها، أضف إلى ذلك ثأثير الصورة السلبية لماضي تذبير الشأن المحلي للأحرار بسيدي إفني نمع الحاج العربي أقسام وآخرون، وقد يتضرر بيتاس أكثر من الصراع القائم بين ال بوعيدة رفيقه في الحزب وال بلفقيه الذي يشترك معه الإنتماء القبلي كواحد من أقوى المؤثرات في الإنتخابات المغربية، وإمكانية تدخل حسن الدرهم في توجيه الشأن السياسي يأيت باعمران لصالح بيتاس قليلة جدا أولا لانعدام أي امتداد للدرهم بسيدي إفني بعد أن مني بهزيمة نكرا سنة 1992 هناك أمام المرحوم الاشتراكي أبكا البعمراني وكانت تلك نهايته بايت باعمران ليكون موسم سيدي زكري مزاره السنوي لا غير.
ثانيا أن مجال لعب حسن الدرهم بات هو واد الذهب الكويرة فهناك أسطوله الإقتصادي ومصالحه المتشابكة، وسيكتوي بيتاس أكثر بنار ملف نزع الأراضي و تحديد الملك الغابوي والحلوف لكونه مقرب من أخنوش بوزارة الفلاحة المتورطة في هذا الملف، كما اكتوى به محمد عصام برلماني العدالة والتنمية المعزول بقرار من المجلس الدستوري، التي كانت بداية تقليم أضافر العدالة والتنمية بالاقليم، وبعد الهزيمة في الإنتخابات المعادة ستدخل البيجيدي بسيدي إفني مرحلة العيش على نوستالجيا المرحوم الذكتور عبد الله برو الباعمراني، وسيكون بومريس عمر العضو في مجلس جهة كلميم لا محال الورقة الانية للعدالة بإقليم سيدي إفني، غير أن لهب نار قضية ميناء إفني وبو الفضايل ستحرق أوراق البيجيدي بعدما تعالت الأصوات بكون قيادات البيجيدي كالرباح والقسطلاني كان لهم فيتو في ترجيح كفة مشروع بو الفضايل ضد إفني. أضف الى ذلك الماضي الأسود للبيجيدي مع انتفاضة السبت الأسود، فمعادلة البيجيدي غدا بالإقليم أعقد بكثير.
هؤلاء إذن هم اللاعبون الظاهرون حتى الآن في حساباب ورقعة الانتخابات البرلمانية بالإقليم، إقليم فتي بمطالب وملفات كثيرة تبحث عن أمل حلها، وإعادة الإعتبار لمنطقة تاريخية طبعت جزءا من تاريخ المغرب الحديث، وتستحق أن تكون أفضل وأجود وأرقى، نصف قرن من اليأس الإفناوي لا يزيد إلا غضبا، فهل من عقل سياسي محنك ورزين ومتجدر ودو مصداقية يدخل الرقعة لإضافة جديدة، أم نترك الملعب لنعلق وراء الشاشة.
يكتبه: عبد النبي إدسالم
رابط قصير: https://www.tighirtnews.com/?p=19874







