سوق “خميس تافراوت المولود” الأسبوعي … بكاء على الأطلال

بدأت الحكاية عندما أحس سكان “تافراوت المولود” بالحاجة لفضاء لتسويق منتجاهم أو بمقايضتها بمواد أخرى تغطي حاجياتهم, حينها حاول السكان إيجاد مكان لبناء سوق لهم، وتاريخ ذلك مجهول لصعوبة الحصول على وثيقة تاريخية توثق لذلك. تقول الحكاية أن السوق كان سيبنى بشرق دوار “اغيل”، لكن توجيهات بعض السكان حولته إلى “أفلا نتدلي”، المكان الذي يتواجد فيه حاليا.

أشد المتشائمينtimthumb

ويروى أن تلك الأرض في ملكية “إكرامن – أكدل” هذا ما اخبرتهم إياه “للا رقية تكرامت” وأخبرتهم إن اردتم أن لا يصاب السوق بلعناتهم فعليكم أن تخصصوا يوما للنساء وهذا ما كان. بني السوق وعرف ازدهارا واقبالا كبيرا وعرف برواجه المنقطع النظير، وفي دردشة مع أحد تجار السوق القدامى، أخبرنا أن حجم الرواج بالسوق أحجمنا عن التوجه نحو “درب عمر” كباقي أقراننا، بل في سنوات السبعينات والثمانينات كان التسابق لبناء المحلات وشرائها في أوجه ضنا منا أن الرواج سيستمر لكن ما حل اليوم بالسوق لم يتوقعه أشد المتشائمين .

ففي فجر كل يوم خميس من كل أسبوع، يحج جمع غفير من الناس من المنطقة وكل المناطق المجاورة على أرجلهم أو على الدواب في اتجاه “خميس تافراوت المولود”, وقبل الدخول للسوق يتم وضع الدواب في مكان مخصص لذلك يسمى “الفندق”، يوجد فيه حارس يتكفل بحراستها مقابل مبلغ هزيل، وبدكاء منه يقوم بالاحتفاظ بلجام الدابة حتى يستوفي اجرته، وفي مساء كل يوم يتحول “الفندق” إلى ملعب لكرة القدم وللفرجة, وبعد ذلك يتم ولوج السوق من أحد أبوابه الاربعة للتسوق وشراء الحاجيات من الخضر والفواكه وكل ما كان ينقصهم من الحاجيات، كما كان فرصة لبيع فائضهم من ما ينتجونه من المواد الفلاحية.

مؤسسة اجتماعية وفضاء للتواصل

وقد استغربنا عندما أخبرنا أحدهم أن السكان كانوا يلبون أغلب حاجتهم من الخضر والفواكه، واستغربنا أكثر حينما أجابنا عن سؤالنا حول نوع الفواكه التي كانوا ينتجونهاـ فاخبرونا أنهم كانوا ينتجون الرمان والمشمش والبرقوق والتفاح والتين والعنب، أما الخضر فغالبا يلبون كل الحاجيات, كما يبيعون فيه اللوز وأركان والعسل والسمن والبيض أيضا, وما يربونه من ماشية دجاج وأبقار وخرفان وماعز.

و تزاول في السوق التجارة بكل أنواعها، وخاصة الصناعة التقليدية المحلية من الأحدية (إدوكان) والحلي والفخار, وبعض المصنوعات من طرف الحدادة كالشبابيك والأبواب والبناديق، … وما إلى ذلك مما تنتجه أيادي السكان ذكورا وإناثا, كما كان يوم السوق يوم لكتابة العقود بمختلف أشكالها ويوم للتطبيب، لأن الأطباء يأتون في ذلك اليوم فقط، كما يجسد السوق مدى التلاحم بين كل مكونات المجتمع من كل الأعراق والأديان. فما أكثر الحكايات التي تروي عن المعاملات التجارية مع اليهود المستقرين بكل من “تهالة” و”تلين”, كما كان بمثابة مؤسسة اجتماعية وفضاء للتواصل، ففيه يتم مناقشة كل المستجدات وتنتشر فيه كل الأخبار من مختلف المناطق، وبين الفينة والأخرى تسمع صوت البراح يتلوا رسالة من المكلف بعد كلمته المعهودة “لا اله الا الله أوعليها البريح ويلخير”, وعند اجتماع الناس يبدأ في قراءتها .

في ظلالها يتم بيع المنتوجات المحلية

أما فبما يخص بنايات و موقع السوق فكما يحكى فقد كان قديما محدود ومتموقع حول البئر التي تتوسطه فقط، وأغلب المحلات كانت بالقرب منه شمالا وجنوبا وغربا، وفي الشرق محلات تقليدية على شكل أقواس، أبوابها من الخشب ولها جمالية وروعة خاصة، كآثار تجسد هوية المنطقة. وعلى بعد أمتار قليلة زقاق توجد فيه محلات للجزارين وبالقرب منها في وسط الزقاق تنتظم خيام صغيرة لبائعي أحشاء ورؤوس الماشية “اد بيلاوان”، وفي مخرج الزقاق على اليمين توجد المجزرة قبل أن يتسع السوق وتتحول المجزرة إلى قبلة السوق، وبعدها إلى خارج السوق على بعد “كلم”، وقرب المجزرة يوجد مكان لبيع الدواب (الرحبت), وقرب البئر توجد شجرة للخروب، وفي ضلالها يتم بيع المنتوجات المحلية كالأحدية والسلال وغيرها، وفي وسط الساحة يعرض فيها مختلف أنواع الخضر والفواكه، أما باقي المحلات، فتزاول مختلف الأنشطة التجارية بالإضافة إلى مقاهي تعد مختلف الأطعمة وفنادق ينزل فيها التجار الأجانب عن المنطقة الذين يصلون إلى السوق مساء الأربعاء استعدادا ليوم السوق.

وكان السوق يعرف دروة رواجه في موسم سوق الخميس “الموكار” للرجال, ويوم الاثنين كموسم للنساء، وهو اليوم الذي وعدوا به “للا رقية” حيث تتزين النساء وتلبسن أجمل اللباس وتجمعن كل ما معهن من نقود من ما تحصلنه من أعمالهن اليدوية وهدايا أهلهن وأقربائهن في السنة لشراء كل حاجيتهن, ويكون السوق في ذلك اليوم خاص بالنساء والأطفال أقل من 13 سنة، والتجار رغم كبر سنهم لكن يتحتم عليهم ملازمة محلاتهم، والتجوال وسط الموسم ممنوع على الرجال، ففي أبواب السوق رجال يقومون بالحراسة وبتنظيم الموسم وطرد كل من يحاول أن يتسلل ويشاغب أو يتحرش بنساء الموسم.

الموكار ن تمغارين (موسم النساء)

ويكون يوم “الموكار” يوم لشراء الحاجيات ولصلة الرحم وفرصة لالتقاء النسوة ببعضهن، فمن الممكن أن تكون فرصة لالتقاء أم تبحث لابنها عن عروس مع فتيات لعلها تجد فيهن من تسر قلبها وقلب ابنها, وأكثر ما نتذكره في هذا الموسم في أول التسعينات من القرن الماضي، امرأة تسمى “تبخورت” رحمها الله، معروفة لدى العامة بضعف قواها العقلية وبلباسها المتسخ طول السنة، وكلابها الشرسة التي تحرسها، لكن في يوم الموسم تلبس ملابسها الجديدة كغيرها من النساء بل لن تستطيع أن تميز بينها وبين غيرها وبقيت صورتها محفورة في ذاكرتينا.

هكذا كانت حكاية سوق تحول في آخر التسعينات إلى ركود بعد رواج وإلى كساد بعد ازدهار، دفعت بالتجار إلى إغلاق محلاتهم وإلى الهجرة، فما يناهز ٢٠٠ محل اليوم لا يزاول النشاط التجاري إلا في ٢٠ محل على الأكثر, وانقطع “الموكار ن تمغارين” اليوم الوحيد لتسوق النساء، وحلت اللعنة على السوق وتحول إلى مباني خالية ومحلات خاوية، وبقيت الجدران ذكرى لماضي يتأسف عليه كل من وثق يوما في ازدهار لن يفنى، وكل زائر تذكر ضجيج التجار وهم يعرضون ويبيعون سلعهم, وهذا ما كان وما حل بسوق لخميس، وبعدة أسواق مجاورة في انتظار يوم لن يعود يوم كان السوق يحمل قيم ثقافية واجتماعية، وليس فقط فضاء لقضاء الأغراض المادية والعملية.

تِغِيرْتْ نْيُوزْ” عن أنزي بريس” ومن إعداد: عبدالله كواغو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *