تحولت الاحتجاجات إلى موضة يومية في حياة المواطن المغربي، فأصبحنا معتادين على مصادفتها في الشارع العام وفي مقرات المؤسسات، العمومية والخصوصية، وفي دكاكين الأحزاب السياسية وأمام ملاعب الكرة وفي الأسواق الشعبية، أينما تولوا وجوهكم هناك قلق واحتجاج ولائحة مطالب تبدأ بالحق في التغذية والدواء وتنتهي بالحق في الاحتجاج.
إقليم سيدي إفني لم يخرج عن هذا السياق ألا وهو الإقليم الذي أصبح مدرسة ومرجعا للاحتجاج بسبب تراكمات تاريخية وإحساس بالتهميش طال الإقليم عقودا من الزمن، رسم الإفناويون لوحات نضالية واحتجاجية خالدة جمعت الكل في إطار واحد وهدف وحيد هو تنمية الإقليم وتحقيق الظروف المناسبة للعيش والكرامة.
التحركات الأخيرة للمعطلين الطالبين بتشغيلهم والذين نظموا وقفات سلمية حضارية قرب المقر الجديد للعمالة، جعلت وزارة الفتيت تعزز تواجدها بعاصمة الإقليم في إطار المقاربة الأمنية التي لم تجذي نفعا وإنما زادت من انعدام الثقة بين رجالات الداخلية و غالبية الساكنة.
إن المعطل في المخيل الشعبي التقليدي ليس هو ذلك الشخص الذي يعاني من كسل حاد في الأطراف وترهل في السواعد وشخير مزمن، بل هو من يستيقظ صباحا ليدبر قوته اليومي ويطرق الأبواب الموصدة ويحفظ عن ظهر قلب تواريخ مباريات التوظيف ويعود في نهاية اليوم إلى بيته منهوكا وكأنه يطارد خيط دخان.
معطل اليوم ينتمي إلى تنسيقيات، يتأبط محاضر اجتماعات مع السلطات المعنية، يملك حاسة شم وجهاز إنذار مبكر يجعله على بيِّنة من كل المباريات والوظائف المنشورة في كل المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، يجيد تنظيم المسيرات الاحتجاجية، يحفظ الشعارات الغاضبة، ويُلمّ بتحركات مسؤولي الحكومة،.. معطل اليوم له استعداد للعمل في إدارة معطلة فقط لطرد شبح البطالة، هو مستعد ليصبح جابيا أو محصل ضرائب رغم أنه أخصائي تغذية أو خبير في لغات الحشرات المهم هو الشغل أولا وأخيرا.
معضلة التشغيل بالمغرب تحتاج إلى تضافر كل القطاعات الحكومية لوضع إستراتيجية لكن بمقاربة جهوية، فجهات المغرب العميق ليست هي جهات التركز الصناعي والتجاري والاستثماري حيث فرص الشغل في القطاع الخاص متوفرة رغم ظروفها القاسية أحيانا، يجب تخصيص مناصب الشغل الخاصة بكل جهة لأبنائها مع تحفيز الاستثمار في كل الجهات مع استحضار العدالة المجالية، ولابد لأخواتنا المعطلات وإخواننا المعطلين أن يختاروا شعبا ملائمة لسوق الشغل وإعادة تكييف أنفسهم وتقوية ملفاتهم بدبلومات مهنية مطلوبة مع تحيين معارفهم واجتياز كل المباريات للإكثار من الحظوظ.
الاحتجاج مشروع، لكن شريطة أن يتم بطرق مشروعة، خاصة في ظل موضة الاحتجاج التي أفرزها الحراك الديمقراطي منذ 2011 والذي «شرعن» الرفض والاجتياح، وأنتج كائنات استغلت الوضع لممارسة البلطجة وركبت على صهوة المشاكل الاجتماعية لتحقق منافع ذاتية، جعلت الاحتجاج أشبه بالريع الصاخب وهؤلاء المتربصون ينتظرون أي شكل احتجاجي للركوب عليه واستثماره لمصالحهم الضيقة، إن هذه الكائنات الطفيلية موجودة بعاصمة الإقليم تتقن جيدا إشعال النيران لتنضج فوقها ما تريد بتمهل.
إن هؤلاء يشكلون خطرا على كل الحركات الاحتجاجية بالإقليم وقد ظهروا على حقيقتهم بعد كل الأحداث التي عرفتها المنطقة فهم من الداعمين الكبار للريع والفساد الانتخابي ومن المساهمين الكبار في تبخيس كل ما ينجز بالإقليم من بنيات تحتية التي تمس جميع المجالات رغم أنها في البداية ولازال الخصاص كبيرا .
على المعطلين إعداد ورقة تقنية تشخيصية للخصاص الموجود كما وكيفا ومن خلاله تقوية الجانب التفاوضي لديهم، وعلى المعطلين الحذر كل الحذر من عشاق الركمجة والذين يريدون دائما الجانب الصدامي مع المؤسسات فهم في أحايين كثيرة يدسون ضمن صفوفكم لتشتيتكم ويخدمون أجندات لن يستفيد منها لا الإقليم ولا أبناؤه.
مبارك الكديل: تغيرت نيوز / الافتتاحية
رابط قصير: https://www.tighirtnews.com/?p=28009







