الرئيسية » أغراس أغراس » كلشي باين »

الممارسة السياسية بالمجال القروي … “أنزي” نموذجا

إن مساءلة الممارسة السياسية في أي مجال كان تستدعي وتقتضي الرجوع إلى الجذور الأولى التي استمدت منها السياسة، أو بالأحرى إلى الغاية التي من أجلها وُضعت. إنها في الأصل كانت وسيلة لتدبير الشأن العام وفق آليات وقوانين محددة، بمعنى أنها ليست إلا آلية تعمل على تكريس وضع يعمل بدوره على تأطير وتدبير الشؤون العامة داخل المنظومة الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق هل يمكن الحديث عن الفعل السياسي بمنطقة “أنزي” (إقليم تيزنيت) كممارسة حقيقية وفعلية؟،  إن المتابع للشأن المحلي بمنطقة “أنزي” لا يخفى عليه الواقع الإجتماعي والاقتصادي والسياسي السائد بها، بكل ما يحمله و يعكسه من أوضاع وحيثيات تثير من الإشكالات الكثير، وتطرح من علامات الاستفهام العديد. لن أنساق هنا للحديث عن الوضع “السوسيو اقتصادي” لـ”أنزي”، لكن سأحاول فهم منطق الفعل السياسي به إن كان هذا الفعل يستحق هذا النعت، لأن الممارسة السياسية بالمنطقة لا تؤطرها إيديولوجيات ولا مبادئ عامة، فالسياسي “الأنزوي” لا يبني قناعات إيديولوجية ولا يتأطر بمبادئ عامة تؤسس لمساره في درب العمل السياسي.

إن انتماؤه السياسي يتحدد بقطبين أساسيين لا ثالث لهما، الأول تسطره مصلحته الشخصية على غرار كل السياسيين (إلا القلة النادرة) بمجتمعنا المغربي الشامل، والثاني ولاؤه لأحد أعمدة النخبة المحلية وأعيانها، إذ لا مفر له من حمل اللون والشعار السياسي لسيده الذي بدوره يتلون بلون الحزب الذي يحقق له مصالحه ومطالبه. 

anziومما لا شك فيه أن هاته الممارسة السياسية الشكلية والصورية لا تُلعب إلا في المناسبات الانتخابية، حين تشتد المنافسة على مقاعد المجالس الجماعية أو البرلمانية، مما يبرز أن الفعل السياسي بالمنطقة يتخذ بعدا انتخابيا لا غير، ولا يعترف بالعمل المستمر وبالمنافسة الدائمة القائمة على الجري وراء تدبير الشأن العام في أبعاده السوسيو اقتصادية والثقافية.

بعد توضّح الصورة بشكل جلي مبرزة بكل وضوح غياب الممارسة السياسية بالمعنى الحقيقي لها. ولا يعني ذلك اختلاف الجزء عن الكل، باعتبار المجتمع المغربي العام لا يخلق امتيازا كبيرا في هذا المجال، بالرغم من الاختلافات القائمة بين المجالين على مستوى اللعبة السياسية، والتي تبقى اختلافات شكلية لا تتجاوز الشكل إلى المضمون، فالفروق التي قد تبرز هنا هي بالأساس فروق تمس مظاهر الفعل السياسي في أبعاده “الكركاسية” فقط.

الصورة تتضح أكثر حين نستشف واقع الأحزاب السياسية بالحواضر ومقارنتها “بالفعاليات” السياسية المحلية، حيث تعقد الأولى اجتماعات ومؤتمرات تناقش فيها مختلف مشاكلها الإطارية المتعلقة بنخبها وشبيبتها، وتنتج خطابات رنانة تسوق لها إعلاميا، ولكن لا شيء من ذلك يعكس معنى الممارسة السياسية الحقيقة، إذ يبقى المضمون فارغا من الفعل السياسي الحق المدبر للشؤون المجتمعية بفعالية، كما في المجتمعات التي تعي معنى الممارسة السياسية وتعمل به. إن الممارسة السياسية هنا لا تغذوا أن تكون “بروتوكولات”، وبالتالي فتلك الاختلافات ما هي إلا مجرد فوارق في الظاهر لا المضمون، الأمر أشبه ما يكون بأغلفة الدفاتر المتنوعة المغطية لأوراقمتشابهة.

ولأختم المقال أقول للسياسة عذرا أيتها السياسة فقد كنت في الأصل مرادفا لتدبير الشؤون العامة، لكن تحولت إلى آلية تدبير الشؤون الخاصة. ولأذكرك بأن “أفلاطون” أدرك قبلا أنه ليس في وسعه أن يضل محتفظا باستقلاله ونزاهته في إطار السياسة الحزبية، فرغب عنك. وقبله أستاذه “سقراط” الذي نهاه الصوت الداخلي من الاشتغال بك لأنك لا تسمحين لأحد بأن يحافظ على نزاهته وقتا طويلا.

بقلم الكاتب:  العربي بوعسرة

مشاركة الخبر مع أصدقائك

أكتب تعليقك