من مجاز أدبي إلى السيد وزير التعليم العالي.

11352252_720774394701693_1057021487_nنشرت بعض الصحف الإلكترونية في الأيام القليلة الماضية تصريحا لوزير التعليم العالي مفاده أن ارتفاع نسبة طلبة الشعب الأدبية يشكل خطرا على المغرب نظرا لعدة اعتبارات، منها أن الطالب الأدبي لا يجيد أية مهارات عملية بالإضافة إلى أن التوجهات الحديثة في العالم هي التوجهات العلمية والتقنية لكونها مجالا خصبا للبحث العلمي وما تتوفر عليه من فرص للشغل. وأعرب كذلك عن ضرورة الرفع من ساعات المواد العلمية في البرامج التعليمية واعتماد التوجيه العلمي منذ الابتدائي.

نعت السيد الداودي الطلبة الأدبيين بالخطر وبكونهم عالة على آبائهم والمجتمع، نعت جارح وغير مسؤول، لأن الخرجين ليسوا سوى عصارة المنظومة التعليمية الفاشلة الذي يعتبر فاعلا ومسؤولا عليها. والتوجه العلمي والتقني الذي يسعى الوزير إلى ترسيخهما، نظرة فردانية تخدم أجندات رأسمالية محددة ولا تحترم الرغبات والتوجهات الفردية للتلاميذ والطلبة، ولا تحترم أيضا كل الحاجيات الأساسية للمجتمع المغربي.

ما قاله الوزير، “الطلبة الأدبيون يشكلون خطر على المغرب وهم عالة على آبائهم وعلى المجتمع” يتضمن فكرة “الإنتاج” وهو مبدأ اقتصادي محض. وحسب الوزير كل فرد لا ينتج اقتصاديا، عالة. وكل عالة منبوذ ولو كان ضحية لعدة عوامل. وكأن بالسيد الداودي نسي على أن نواة الآداب والعلوم الإنسانية هو خلق فرد قادر على التفكير والحفاظ على التراث والدفاع عن الأخلاق والقيم والعدل والهوية وهو ما لا يتناسب مع الفكر المقاولاتي والرأسمالي الذي يتبناه.

إذا ما حاولنا مثلا أن نطبق هذا المبدأ الاقتصادي على السيد الداودي شخصيا سنستنتج أنه ومنذ حصوله على المنصب لم يقم بأي شيء سوى ببعض الترقيعات وتوقيع بعض المعاهدات مع مؤسسات أجنبية أو الزيادة في المنحة. أما دون ذلك فإنه لا يملك أية استراتيجية واضحة بل ولم يقم بأية خطوة حتى لخدمة الأهداف التي يدعوا إليها كالزيادة في المعاهد التقنية أو الزيادة في أطر الكليات العلمية أو بناء مختبرات علمية…، و بالتالي فالوزير نفسه عالة على الحكومة وعلى قطاع التعليم وعلى المواطن المغربي البسيط الذي يدفع الضرائب.

لنتصور جميعا أن معظم التلاميذ والطلبة المغاربة سلكوا توجها علميا وتقنيا حسب رغبة الوزير والمؤسسات الدائنة، وحصلنا على طلبة يجيدون الحساب الافتراضي، والحساب الفلكي، والحساب الهندسي، والجراحة، والمكننة… ، فمن أين لنا بالمؤرخين، والمفكرين، والنقاد، والفنانين، والمحامين، والقضاة، والإعلاميين، والمحللين السياسيين، والباحثين الاجتماعيين..؟

التنظير الذي يمارسه الأستاذ لحسن الداودي من داخل المكاتب والقاعات المكيفة لا يتناسب قطعا مع الواقع المرير الذي تعيشه المنظومة التعليمية المغربية. لأن مشكلة التعليم الجامعي بالمغرب ومدى قدرته على تخريج أطر ذات كفاءات علمية وعملية عالية ليست له علاقة بالتوجهات الأدبية أو العلمية أو التقنية أو غيرها، بل يرتبط أساسا بجودة المواد المقدمة في المستويات الأولية والابتدائية والإعدادية والثانوية. حيث ليس بإمكان برامج تعليمية لا تتعامل مع التلميذ بشكل فردي ولا تحترم ميولاته وتوجهاته ورغباته أن تحدد نقط ضعفه ونقط قوته للاعتماد عليها في المستقبل.

مشكلة التعليم الجامعي المغربي لا يمكن فصلها عن معاناة الجسد التعليمي بكل تخصصاته ومستوياته من التبعية لأجندات سياسية واقتصادية أجنبية، والباكالوريا المهنية والدولية (الفرنكفونية) التي يتفاخر بها الوزير في كل صولاته و جولاته خير دليل. ومعضلات التعليم المغربي ومنها التعليم  الجامعي  سببها تقليص عدد الأطر وضعف البنيات التحتية وغياب الأكاديميات الرياضية والفنية التي يمكن أن تفتح المجال أمام شريحة واسعة من الطلبة للاختيار.

مأساة التعليم الجامعي المغربي سببها “رباعة صحاب الشكارة” والمسؤولون أمثالكم الذين يهينون وينكرون خير فئة من الشعب صوتت لكم من أجل إيجاد حلول لا من أجل إذلالها. وبما أن لكم كل هذه الجرأة، سيدي الوزير، على التطاول على شباب يناضل بوقته وأسرته وعمره لاكتساب العلم، فلتكن لكم الجرأة الكاملة أيضا على وصف وِلايَتِكُمْ بالعقم وانعدام حلول الإصلاح وفشلكم في تخليص ملف التعليم العالي من أيدي اللوبيات الرأسمالية وقد كنتم تحملون في وقت ليس بالبعيد شعار، “الإصلاح و محاربة الفساد.”

بقلم: محمد أيت مسعود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *