في هذه الحياة تتحمل المرأة حماقات الرجل ليفكر ويبدع، إنها المرأة التي يسميها المجتمع “بالمثالية”، التي تنظف بيتها وتعتني بأبنائها وتطيع زوجها …، من أجل أن يكون مستقرا ومرتاحا ما يتيح له إمكانية التفكير والإبداع والكتابة …
إن التفكير والإبداع يحتاج للكثير من الحرية، وبعض الجنون، في الواقع أنه يحتاج للصدق مع الذات، ولأن يعيش الإنسان وفق ما هو عليه حقيقة، بلا أقنعة ولا رتوشات، هذا إن أردنا الحديث عن مفكر حقيقي، يضعه التاريخ في صفوفه، لأن الكثير منهم ليسوا سوى مرتزقة يموتون كأن لم يكونوا.
ولئن كان الصدق مع الذات ضرورة لكل مفكر فان هذا الامتياز منح للرجل دون المرأة، ولحسن حظه هناك نساء قبلن هذا الدور عن اختيار، وهو قبول كل شيء من الرجل باعتباره رجلا، وهو بالطبع ليس مجانيا بل مؤدى عنه مادام الرجل هو من يدفع تكاليف عيشها.
لكن حين تكون هناك نساء يعشن من أجل التفكير والإبداع، اللواتي يختارهن القلق والحزن والسؤال للسكنى لن يكون هناك أحد ليتحملهن، فيعشن وحيدات، ممزقات، يرغب بهن الكل ولا أحد يقبل بهن، يحيط بهن الكل ولا أحد معهن.
إن الأمر يبدو عاديا ظاهريا، لكونه ترسخ بهذا الشكل في لا شعور الجماعة، لكنه ليس كذلك في عمقه، والأمور لا تفهم بظواهرها، فأي شخص يحس بإنسانيته سيعرف أن هذا ليس عدلا، وهذه المرة لن أتحدث عن المجتمع وتقسيمه الغير العادل للأدوار، فالسؤال أكثر عمقا وألما وهو هل المرأة إنسان؟.
ربما يبدو السؤال مثيرا للاستغراب، وربما يبدو سخيفا ومتجاوزا، لكن كان من اللازم طرحه، لأن الشك يؤدي إلى اليقين، ولابد من الهدم وإعادة البناء لأن ذلك كفيل بأن يجعلنا نكتشف أشياء جديدة كل مرة.
هل المرأة إنسان ؟
سؤال يبدو أنه يحط من كرامة المرأة حين نقرؤه للوهلة الأولى وقبل أن نتدبر فيه، لكن في ذات الوقت من الممكن أن يرفعها إلى درجة أسمى من الإنسانية نفسها، وأعتقد جازمة أن هذا هو السؤال الجوهري الذي خفنا من طرحه لأن الإجابة عنه قد تقلب الموازين. ففضلنا التسليم بمسألة أن الدين الإسلامي قد أنصف المرأة وأعاد إليها حقوقها، وهذا ليس صحيحا، لأن وضع المرأة لم يكن بخير قبل الإسلام ، ولا حتى بعده، ولا يمكن أن يعي هذا إلا امرأة تعي هذا الألم إذ لا يكفي أن تحسه، فالوعي به أهم، قد تقولون أن السبب هو عدم تطبيق تعاليم الإسلام، لكن لا، فالمرأة ليست بخير سواء داخل الإسلام وخارجه، هي مستعبدة باسم الدين، وباسم الحرية كذلك، كل الأفكار تتفنن في استبعادها … واستعبادها.
كما فضلنا انتقاد ما قاله الفلاسفة بشأن المرأة، وإيهام أنفسنا بأننا تجاوزنا ذلك المستوى من التفكير المتخلف، وإيهام المرأة بأن ظروفها تغيرت والحق أنه وهم يكرس غباءها واستسلامها لتلك الأفكار مما لا يدعها تشك أو تعيد التفكير.
نعم انتقدنا الفلاسفة لكننا لم نحاول فهم لماذا رأى هؤلاء الفلاسفة الذين صنعوا تاريخا بأفكارهم، والذين نضرب بهم المثل ونذكرهم على الدوام وكأنهم أحياء بيننا المرأة كائنا ناقصا؟ لماذا نظروا إليها على أنها كائن شرير وهم الذين دعوا إلى العقل والحرية والعدالة والمساواة وإعادة الاعتبار للإنسان؟ هل هذا يعني أن المرأة جنس آخر جني مثلا أو شيطان أو ملاك …؟ أتساءل ألم يجعلهم ضميرهم العقلي يحسون بألمها ؟ إذا دافعوا عن مبادئ كونية فلماذا لم تدخل المرأة في هذا الاعتبار؟.
إن هذا يدل بلا شك على وجود هوة كبيرة بين الرجل والمرأة، ووجود اختلاف وسوء فهم تغذيه إرادة القوة، فالرجل ينظر للمرأة ككائن غريب والغرباء من الصعب تقبلهم لأنهم قد يسلبونا وجودنا، أو يكتشفوا أعماقنا ونقط ضعفنا، فالخلاف محاولة لإثبات الوجود وهو ما يجعل الرجل إلى اليوم رغم مرور الآلاف السنين، ورغم التطور الذي يشهده العالم يخاف البكاء أمام المرأة. والتعبير عن مشاعره أنه يخافها وهو ما يسميه “شيشرون” بـ”الخوف من النساء” (Gynophobia).
لكن في رحلة الصراع هذه انتصر الرجل، وإذا عدنا إلى الماضي سنجد أن المرأة تألقت في مراحل ما في العصور الأمسية، كما كانت هناك نساء حاكمات مثل “كيلوباترا” التي حكمت “مصر”…، لكنها معارك صغيرة والحرب الكبرى ربحها الرجل ولعل السبب هو عدم وجود نساء مفكرات.
وهكذا رفعت المرأة راية السلام، وأصبحت القاعدة المجتمعية هي أن المرأة لا تساوي شيئا بدون الرجل، هو مالها وأسمى آمالها والخارجات عن القاعدة عاصيات.
لكن مما لا شك فيه أن أولئك النساء الخاضعات ليس أغلبهن سعيدات، والبعض الآخر منهن لا يعرفن أن هناك سعادة ونجاحا بعيدا عن الرجل، فهن مسلوبات يعشن وفق ما يختاره الرجل لهن، حتى الرجال الذين يدعون الإنسانية والحداثة والمساواة…، فالحداثة حداثتهم، والعدالة عدالتهم وكل ما عداهم باطل.
إن رضوخ المرأة وعيشها تحت سقف واحد مع الرجل كزوجة لا يعني التوافق بين الجنسين، وإن وجد فهو نسبي تغذيه المصالح المشتركة. ففي اعتقادي لا يوجد توافق مطلق لأن هناك اختلاف جوهري بين الجنسين من الصعب تجاوزه. فلئن كانت الرجولة مواقف، فالمروءة أيضا مواقف، وكما يمكن أن تكون الرجولة في المرأة، يمكن أن تكون المروءة في الرجل، لكن هناك فرق بين الذكورة والأنوثة، فذكورة الرجل في عضوه، لكن أنوثة المرأة ليست في عضوها، ومن ثم فذكورة الرجل يمكن إدراكها، لكن أنوثة المرأة صعب إدراكها، لذلك فالعلاقة الجنسية لا تعني لهما نفس الشيء، فالرجل يختصر المرأة في الجنس بينما تنتظر منه هي ما هو أسمى، هو يعطيها الحب بشح وكل هدفه الحصول على جسدها، بينما هي تمنحه جسدها وكل أمالها أن يمنحها الكثير من الحب والتقدير والاحترام …
إن الذكر شهواني مسرف ينتمي إلى الأرض، والأنوثة روحانية تنتمي للغيب، وبالتالي لا يمكن إدراكها بالعقل وهذا هو سبب عدم تمكن الفلاسفة من فهم المرأة ، وسبب كرههم لها، واعتبارها ساحرة وشيطانه، والحق أنهم ينتقمون منها لأنهم يفقدون عقولهم التي يتبجحون بها أمامها بينما تبقى هي صامدة متماسكة، وحين تذهب رغبتهم يتقوى فيهم الحقد ويصبحون قساة، وهذا ما يفسر أيضا نفور الرجل من المرأة بمجرد أن يمارس معها الجنس، وهو ما يدفع الكثير من النساء على مر العصور يفكرن في طرق غير شرعية لإيقاف هذا الطغيان باللجوء للسحر والشعوذة …، وهذا طبيعي فلا يوجد فعل بدون ردة فعل فالكثير من النساء يقتلن كل يوم على أسرة الزوجية، حين يدير أزواجهن لهن ظهورهم بمجرد الاكتفاء من أجسادهن.
وبالعودة إلى الدين الإسلامي أقول أن لغة القران الذي بين أيدينا قد لا تكون لغة الله، فاللغة العربية هي إبداع بشري، ففي القران لم ترد كلمة حاسوب مثلا ، لكن البشر هو من صنع جهازا واتفق على تسميته حاسوب، وكان من الممكن أن يسميه سيارة أو شيء آخر، لذلك لا اعتقد أن البشر تعلم لغة الله لمجرد أنه تعلم اللغة العربية، فحين تتعلم لغة دولة مثلا فان هذا يتيح لك إمكانية معرفتها، وما دمنا لا نعرف الله بأفعالنا ، فهذا يعني بلا شك أننا لم نتعلم لغته بعد، ولا أعتقد أننا سنتعلمها ، لأنها كالمرأة صعب إدراكها بالعقل، ولأنها تنتمي للغيب وتبقى شيء يسري بدواخلنا كالروح، ومن ثم فكل ما جاء في القران الكريم نسبي أمام الحقيقة التي ندركها بأرواحنا، والله لن يغضب من كلامي لأنه يعرف أني اضرب كل شيء عرض الحائط كي اختصر الطريق إليه بروحي، فأنا امرأة مخلوق روحاني أسمى مما يريده لي رجال الدين.
بقلـم الكاتبة: زينة أقلالوش / “تِـغِيرْتْ نْـيُوزْ”