تغيرت نيوز
وقف “صاحب إفيس” حتى مَلَّ الوقوفُ وقوفه، ثم اهتدى إلى صخرة بجواره، وجلس يتأمل وصمت الليل مطبقٌ، لا يكسره إلاّ صوت “أرشاش” خفيف، وأصوات صراصير الليل “قرسنوس” وهي تغني ليلاها، وفجأة رنّ الهاتف، تلك الرنة التي تقاس بالذهب، ارتبك صاحبنا حتى التبس عليه موقع جيوبه، ولَم يعد يعلم من أين يأتيه الرنين، تخبط لبرهة ثم أخرج الهاتف فضغط بقوه على زر «ok»، ألووو ألووو… ألووو ثم “والووو” ! انتهت البطارية وانطفأ الهاتف.. آآآه حين يكون الحظ تعيساً تعاسة الشخص وتعاسة الزمان والمكان!، لم يعد أمامه إلا العودة من حيث أتى وبخفي حنين، آآآآه كم هو مؤلم أن تهوي من القمة بعد الاحباط!.
لا نعرف كيف مرت مرحلة هبوط صاحبنا من على قمة التل، لكن الأكيد أن عيون “إفيس” ترصدته عند الطلوع والهبوط، ولا زالت تتابعه من حينها، وجد نفسه أخيراً على مقربة من البيت، وفي بيدر (أنرا) قريبا يلمح ضوءاً وضجيجا وجمعاً من الناس، إنهم “إسمگان”، ذلك الفلكلور التراثي المحلي الذي أبى أن يموت، فلكلور لم يعد “أصلياً صافياً” من الشوائب، كما كان ايّام زمان، ركب عليه الراكبون وعلقت به طفيليات كثيرة، وحاول المخزن توظيفه كمنوّمٍ “للعقول الثائرة”، كما يفعل بالمهرجانات. قهقهات تعلوا المكان، إنها الفكاهة “الارتجالية” لباقشبش، مسرحيات مجانية على الهواء الطلق، وقف باقشيش يهاتف صاحبه قائلا؛ “إنني في “تيزنيت” أحتاجك في أمر مهم، أجابه صاحبه بأنه وصل لتوّهِ إلى مدينة الدار البيضاء، قطعا المكالمة فتمشّيا ليتصادفا عند حافة الشارع، ضحِكَ “صاحب إفيس”، حتى انهمرت دموعه من وقع مشهد كأنه يجسّد حالته، أبداع من وحي واقعنا المعاش، استعصى على “شيكسبير” أن يتخيل مثله.
في زاوية البيدر، يَقدم طفل نحو الجمع يحمل كيساً به قالبي سكر، أخضر اللون “يلائم شروط الامم المتحدة لحماية البيئية” يعني يخضع لقانون “زيرو ميكا (النموذجي المغربي)، الذي أزاح الميكا وترك التلوث بأشكاله الأخرى يرتع في البلاد، وعلى ذكر حماية البيئة في إمجاض، فحدث ولا حرج، “الشيح” الذي كان الغطاء النباتي السائد في المنطقة أصبح اليوم قاب قوسين أو أدني من أن يكون مجرد ذكرى، يُنهب ويحرق وتستخرج زيوته، في عملية استنزاف لا يكترث لها أحد، لكن دعونا نترك البيئة تشكي حالها لربها، لنعود إلى كيس الطفل وإسمگان، أمعن صاحبنا النظر في الطفل فإذا هو ابنه الصغير، فشرع يضرب الأخماس في الأسداس، قالبي سكر؟ إنه كل ما يملك التعيس، لابد أن يتقشف خلال الأيام المقبلة في شرب الشاي، حتى يتجاوز “أزمة السكر” هذه، قطع أحدهم المشهد بعد الدعاء، بكلمات شعرية من نَضم إسمگان؛ “أفوسْ لْجِيد إغرْزَانْ كَامُو يالاَّ يَانْ.. إمَّا وِينْ گار أمود إرْزِيتَاوْكْ نِيغْ إمُّوتْ”.
يتبع ….