سبق أن تناولت في هذا الركن مسألة السطو على الملك الجماعي بـ تينكرتيل والمسمى (تاغزوت) بجماعة “النابور” (إقليم سيدي إفني). وأريد في هذه السطور أن أقوم بتحليل أولي للعقد العرفي الذي يريد به المدعي امتلاك تلك الأرض، وكنت قد أشرت في المقالة الأولى إلى أن تلك الأرض كانت في الأصل ملكا لبعض “الجراريين” الذين تعاونوا مع الاستعمار البرتغالي في مطلع القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي، فأجلاهم عنها المجاهدون، وعرفت من أجل ذلك بـ”تاغزوت”، أي الأرض الذي شهدت الغزو، فظلت منذ ذلك الوقت ملكا للجماعة المحلية تتصرف فيها إلى أن أقدم ذلك المغامر على الترامي عليها بالتعاون مع بعض العملاء في محيط المنطقة وافتعال عقد مزيف تضمن ما يلي:
تقرير من إعداد: سعيد الأشعري – باحث في شؤون المنطقة – “تغيرت نيوز”
المشتري المسمى (ع. الريس بن الحسين) المزداد 1953 م، والذي يسكن في الحي الصناعي بمدينة “أكادير”، والبائع إلى المسمى (ح. ليبوركي) المزداد 1935 م يسكن في “أيت واديار” بــ”اشتوكة أيت بها”، وهذا الشخص ينحدر من العائلة اليبوركية التي تستمد لقبها من جدها الأعلى الشيخ “يبورك بن حسين الهشتوكي الأسغاركيسي” المتوفى عام 983 هـ /1575م والذي تفرع أبناؤه وأحفاده تفرعات شتى، وانتشروا في “اشتوكة” سهلا وجبلا وفي “هوارة” و”بعقيلة” كــ”أماسين” وغيرها، فاشتهر منهم العلماء والصلحاء، تحدث عن بعضهم المؤرخون السوسيون كالبعقيلي في المناقب والرسموكي في الوفيات والحضيكي في الطبقات، وأحصى منهم المختار السوسي في ج الرابع عشر من المعسول سبعة وأربعين شخصية أولهم الشيخ المذكور وآخرهم أحد مريدي الطريقة الدرقاوية الإلغية المتوفى عام1347 هـ حوالي 1928 م، وقد توسع المختار السوسي في تراجم العديد منهم، فلم ترد في تلك الأبحاث أي إشارة لعلاقة أي منهم بمنطقة مجاط أو تاجاجت أو تينكرتيل.
بنود العقـــــد
تضمن العقد عشرة بنود والذي يهمنا منها البنود الثلاثة الأولى التي تتضمن مع ماتقدم أركان العقد، أما بقية البنود فهي قواعد شكلية إجرائية لاتقدم ولاتؤخر في جوهر الموضوع .
البنــد الأول
التعيين: في هذا البند خبط المتبايعان خبط عشواء فليست فيه أي كلمة تطابق مدلولها في الواقع، فالأرض اعتبراها ملكا صالحا للبناء، وهي ليست كذلك بل هي أرض فلاحية، ولم يوفقا في ذكر حدودها الحقيقية ولامساحتها الحقيقية، ولم يعرفا اسمها الذي استمدته من تاريخ عريق، ولم يشيرا إلى وجود مدرسة تحتل منها مكانا بارزا، وأنى لهما أن يعرفا تلك التفاصيل وهما غريبان عن المنطقة، والذين أرشدوهما إلى المكان لم تكن معلوماتهما كافية.
موقع الملك
حدد العقد موقع الملك في (دوار إدسموكن) بجماعة “النابور”. والواقع أنه لايوجد في جماعة “النابور” دوار اسمه (دوار إدسمكن)، نعم توجد في أطراف “تينكرتيل” عائلات تنتسب إلى (سموكن) وهي تقطن في دواوير عديدة متباعدة، وتحمل أسماء مختلفة، ويساكنها في تلك الدواوير عائلات كثيرة لها انتسابات مختلفة كــ”المنوزيين” و”الجراريين”، و”السملاليين” و”الأسمريين”، و”اللكانيين”، و”الهوتيين”، إلى هلم جرا.. والمنطقة كلها تسمى (تينكرتيل) والأرض التي جاء المدعي لحيازتها تسمى(تاغزوت) لامجرد ملك صالح للبناء، ويسميها البعض (تاغزوت أوكرام) و”أكرام” الذي تنسب إليه هو أمير الجهاد “محمد الشيخ السعدي” الذي أجلى رجاله أتباع “البرتغال” من تلك الأرض، ثم خلف الشيخ “السعدي” من جاء بعده من الأمراء والسلاطين.
إيكورامن
والجدير بالذكر أن “تينكرتيل” كان بها العديد من الكراميين مثل (إيكورامن وافا) ومثل (إيكورامن السكراديين)، والأخيرون كان بعضهم يسكن في دوار “إيغير إيكورار” الذي انهدم بعد أن شردهم منه الوباء عام 1163هـ، وكانت لهم هناك حقول اطلعنا على وثائق تشير إلى مواقعها وحدودها، وقد استولى عليها الناس في ظروف غامضة، إذ لم تكن لها القداسة التي تمتعت به “تاغزوت”، واطلعنا أيضا على وثيقة لأحد “السكراديين” حررها عدول ثقات معروفون في عام 1096 هـ ضمنها إحصاء لأملاكه في “إيسكراد” وأحوازها وفي “تاجاجت” وحبسها على أبنائه وأحفاده الذكور إلى قيام الساعة.
الحماية الفرنسية
وكان مما جاء فيها وفدان بـ”تاجاجت” يحده قبلة “الشيف” ويمينا “أولاد كوي” ويسارا “ملك الفقيه سيدي احمد بن الحسن الجماري” و”جوفا الكردوسة”. فما مصير تلك الحقول؟، لقد استولى عليها المجاورون لها ولم تحمها صفة (تاكورامت) كما حمت “تاغزوت” التي هي فيء للمجاهدين المحمي أيضا بهيبة الدولة، فاحترموها ونسبوها لأميرهم “السعدي”، ولما زالت الدولة “السعدية” حلت محلها في “سوس” دولة “أبي حسون علي بودميعة” بـ”إليغ” طيلة فترة معلومة من القرن الحادي عشر الهجري(1022-1081 هـ) إلى أن قضى عليها “مولاي رشيد العلوي”، ثم استرجع “آل بودميعة” نفوذهم على “تازروالت” وماجاورها من “تينكرتيل” وغيرها في القرن الثالث عشر الهجري إلى أن جاءت الحماية الفرنسية.
حمل نقباؤهم كيسا من السكر
عمدا سقت هذه الإشارات التاريخية لأن أهل “تينكرتيل” كانوا يعرفون بشكل أو بآخر هذه التطورات التي مرت بها أرض “تاغزوت”، فقد ظلوا يعتقدون أن لها ارتباطا بالحكومة التي كان يمثلها “آل بودميعة”، ولذلك فإنهم حين أرادوا بناء المدرسة في “تاغزوت” حمل نقباؤهم كيسا من السكر، وذهبوا به إلى شريف “إليغ” السيد “بودميعة”، واستأذنوه في بناء المدرسة هناك، فأذن لهم، وقال هي أرضكم، لاينازعكم فيها أحد.
البند الثاني من العقد المشؤوم
أعود بعد هذه الاستطرادات إلى متابعة النظر في العقد المشؤوم البند الثاني حول الثمن، إذ تم تحديد الثمن في مئة وخمسين ألف درهم، أي بمعدل درهم ونصف الدرهم تقريبا للمتر المربع، حسب المساحة المزعومة الصالحة للبناء والتي تقارب مئة ألف متر مربع (96238مم)، انظروا إلى هذا التحديد الذي يوحي بالدقة المتناهية، وكأن فريقا من المساحين الطبوغرافيين قد حضر إلى عين المكان، واشتغل فيه أياما لضبط الحقل بالإحداثيات الفلكية واستخلاص المساحة هكذا، إنها مجرد نكتة أو مغالطة مكشوفة لا حقيقة لها على الأرض، ويمكن طرح السؤال حتى على مصلحة التسجيل التي قبلت ذلك الثمن في تلك المساحة الصالحة للبناء، فعلى أي أساس وعلى أي معيار أو سلم استندت لقبول ذلك الثمن؟
البند الثالث، مربط الفرس
يعتبر البند الثالث الذي ينص على أصل الملك، مربط الفرس كما يقال، فالبائع ليست له أية وثيقة يثبت بها ملكيته لهذه الأرض، واكتفى بالقول إن الملك قد صار إليه بالإرث أبا عن جد كنصيبه على الشياع. وعبارة على الشياع يريد بها إيهامنا بأن الأرض ملك للعائلة اليبوركية، وأنه إنما باع منها نصيبه على الشياع، والحقيقة ألا علاقة لعائلته بهذه الأرض، لامن قريب ولا من بعيد، وقد أفادنا بعض من تجشم عناء البحث والسفر إلى “أيت وادريم” لتقصي الأمر أن “ليبوركي” قد مات، وأن عائلته وأقاربه يتبرأون مما أوقعه فيه النصاب (ع. الريس)، ويِؤكدون أن لا علاقة لعائلتهم بأي ملك في تلك المنطقة.
حرر العقد يوم لــ27 يناي 2009 ميلادية وتم تصديق التوقيعين عليه في الجماعة الحضرية الثانية بـ”الدشيرة الجهادية” –عمالة “إنزكان أيت ملول”، وسجل بمصلحة التسجيل بمدينة “تيزنيت” يوم الــ13 فبراير 2009ميلادية، ليبقى السؤال عن الشهادة الإدارية اللآزمة للتسجيل في مثل هذا العقار الذي لم يستند تفويته على وثيقة مسجلة آنفا.
شواهد التزوير
هذه الشواهد واضحة في كل ما أسلفنا من تحليل لأركان هذا العقد ، فنسيجه أوهى من نسج العنكبوت، وقد لمس محرر العقد نفسه تلك الحقيقة فيما كتب، ولذلك أصر على تحميل المتبايعين وحدهما مسؤولية ما أقدما عليه، وكرر عدة مرات تبرؤه من تبعة العقد فقال مثلا “ويلتزم الطرفان بعدم متابعة محرر العقد بأي مسؤولية أو نزاع يظهر مستقبلا”، والواقع أن هذا التزوير قد تورطت فيه جهات متعددة من المتبايعين إلى مصلحة التسجيل مرورا بالكاتب ومصلحة تصديق الإمضاء وغيرها. ومازال المدعي يعمل جاهدا على خلق المزيد من الذرائع لمحاولة الإفلات بجريمته، وحضوره رفقة نائب وزير التربية الوطنية بــ”سيدي إفني” إلى عين المكان ليحرر معه محضر تسليم المدرسة يدخل ضمن مساعيه في هذا الاتجاه.
مسؤولية جماعة “النابور”
إننا نعلم أن تعليمات مشددة قد أعطيت لرؤساء المجالس الجماعية بالإمتناع من تصديق التوقيع على أمثال هذه العقود، وبالإمتناع من تسليم الشواهد الإدارية اللآزمة لتسجيلها، لكن غياب المراقبة والمحاسبة يلغي التعليمات ويبطل القوانين. غير أن المراقبة ليست مهمة المسؤولين وحدهم، بل هي أيضا مهمة المواطنين الواعين في الدرجة الأولى. وما شجع المرتشين واللصوص على ارتكاب هذه الجريمة سوى اطمئنانهم إلى أن أصحاب الحق في الأرض غارقون في السذاجة والجهالة والغفلة، وفي التباغض والتحاسد والتواكل وانعدام الوعي، إلى أسوإ ماهناك من الصفات، فهل يستيقظون؟ وهل يهبون لمحو العار؟ أم سينتظرون حتى تباع أرضهم لبعض اليهود، وذلك ما يتهيأ له (ع. الريس). ولعل مسؤولي جماعة “النابور” أنفسهم يتحملون مسؤولية السكوت والتفرج على ما يجري، وهم يعلمون أن الأرض المعنية هي ملك جماعي وإذا كانوا لايعلمون فليسألوا ساكنة المنطقة، وخاصة المسنيين منهم.
رابط قصير: http://www.tighirtnews.com/?p=3152








