أثار التدخل العنيف لقوات الأمن الذي خلف إصابات متفاوتة في صفوف الأساتذة المتدربين بإنزكان (ولاية جهة سوس ماسة) استنكارا واسعا من مختلف المنظمات الحقوقية والسياسية والتربوية ومختلف الشرائح الاجتماعية، خصوصا على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي التي انتشرت فيها صور وفيديوهات تظهر قساوة التدخل وشدة تعامل قوات الأمن مع المحتجين. ومساهمة في مقاربة هذا التدخل العنيف الذي يتنافى مع مقتضيات الدستور الجديد والمواثيق الدولية التي تدعو إلى عدم المساس بالسلامة الجسدية للأشخاص، ارتأيت تناول هذه النازلة من منظور قانوني استنادا لمقتضيات الدستور والقانون الجنائي الوطني:
أولا: من الناحية الدستورية
ينص الفصل 22 من دستور 2011 على أنه “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص في أي ظرف، ومن أي جهة كانت، خاصة أو عامة.
لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية.
ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون.
كما أن الفصل 29 من الدستور نص كذلك على أن “حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي مضمونة…”
إن مقتضيات هذين الفصلين اللذين يجدان أساسهما في المواثيق الدولية تدل دلالة واضحة على حرية التظاهر السلمي ومنع المس بسلامة الأشخاص بصفة مطلقة، وأنه لا مبرر لمعاملة الغير معاملة مهينة وقاسية تمس بكرامته وتنال من إنسانيته وآدميته.
وما يتبادر إلى الذهن، هو أن ما تم صبيحة يوم الخميس 07/01/2016 بمدينة إنزكان من عنف وإصابات في صفوف المحتجين ليس خرقا سافرا للنص الدستوري الذي أجمع عليه المغاربة قاطبة فقط، بل فيه كذلك مسا بإرادة كافة الأمة المغربية التي تعاقدت على تحديد الالتزامات والواجبات الملقاة على عاتق كافة الأطراف، ومن شأن الاستخفاف بها وتجاوز مقتضياتها المس بمصداقية الوثيقة الدستورية التي تعتبر وثيقة سامية يحتكم إليها الجميع، وتعد ضمانة أساسية لتمتين روابط الأمة فيما بينها، والحفاظ على استقرارها باعتبارها عقدا اجتماعيا يجب احترام بنوده، والوقوف عند حدوده دون أن يتجرأ أحد على اعتدائها وتجاوزها.
ثانيا: من الناحية القانونية الصرفة

صورة لأستاذة تعرضت للعنف من طرف القوات الأمنية بإنزكان
إن ما تمت معاينته من خلال الصور والفيديوهات المبثوثة على اليوتيوب وعلى مواقع التواصل الاجتماعي- إن تأكد حدوثها وارتكابها فعلا من طرف القوات العمومية- عنف معاقب عليه في القانون الوطني؛ فقد نص الفصل 231 من القانون الجنائي المغربي على أن كل قاض أو موظف عمومي أو أحد رجال أو مفوضي السلطة أو القوة العمومية يستعمل أثناء قيامه بوظيفته أو بسبب قيامه بها العنف ضد الأشخاص أو يأمر باستعماله بدون مبرر شرعي، يعاقب على هذا العنف، على حسب خطورته، طبقا لأحكام الفصول 401 إلى 403 مع تشديد العقوبات على النحو التالي:
- إذا كانت الجريمة جنحة ضبطية أو تأديبية فإن العقوبة تكون ضعف العقوبة المقررة لتلك الجنحة؛
- إذا كانت جناية معاقبا عليها بالسجن من خمس إلى عشر سنوات فإن العقوبة تكون من عشر إلى خمس عشرة سنة،
- إذا كانت جناية معاقبا عليها بالسجن من عشر إلى عشرين سنة فإن العقوبة تكون من عشرين إلى ثلاثين سنة.”
والمبرر الشرعي الذي يبرر استعمال هذا العنف هو حالة الدفاع عن النفس أو حالة خوف وقوع ضرر أكبر يمس بأرواح المواطنين وممتلكاتهم.
كما نص الفصل 401 المحال عليه في الفصل أعلاه، على أنه “إذا كان الجرح أو الضرب أو غيرهما من أنواع العنف أو الإيذاء قد نتج عنه عجز تتجاوز مدته 20 يوما فإن العقوبة تكون الحبس من سنة إلى 3 سنوات، وغرامة من 200 إلى 1000 درهم. وفي حالة سبق الاصرار والترصد أو استعمال السلاح تكون العقوبة الحبس من سنتين إلى خمس، والغرامة من 250 إلى 2000 درهم.” ويؤكد الفصل 402 على أنه “إذا كان الجرح أو الضرب أو غيرهما من وسائل العنف أو الإيذاء قد نتج عنه أو بتره أو الحرمان من منفعته أو عمى أو عور أو أي عاهة أخرى، فإن العقوبة تكون السجن من 5 إلى 10 سنوات. وفي حالة سبق الاصرار والترصد أو استعمال السلاح تكون العقوبة السجن المؤبد.” أما الفصل 403 فقد نص على أنه إذا كان الجرح أو الضرب أو غيرهما من وسائل الإيذاء قد ارتكب عمدا، ولكن دون نية القتل، ومع ذلك ترتب عنه الموت، فإن العقوبة تكون السجن من 10 إلى 20 سنة…” ويعتبر سلاحا في مفهوم هذا القانون – حسب الفصل 303 منه- جميع الاسلحة النارية والمتفجرات وجميع الأجهزة والأدوات أو الأشياء الواخزة أو الراضة أو القاطعة أو الخانقة.
وحينما يثبت فرد من أفراد القوة العمومية أنه تصرف بناء على أمر صادر من رؤسائه في مادة تدخل في نطاق اختصاصهم ويوجب عليه طاعتهم، فإنه يتمتع بعذر معف من العقاب، وفي هذه الحالة تطبق العقوبة على الرئيس الذي أصدر الأمر وحده. (الفصل 225من ق ج).
ويظهر من خلال ما سبق أن الترسانة القانونية الوطنية سواء منها القانون الأسمى أو الأدنى قد حسمت في واقعة استعمال العنف ضد الأشخاص واعتبرتها جريمة معاقبا عليها كيفما كانت صفة مرتكبها، لكن الواقع العملي قد أفرز ممارسات تفرغ هاته النصوص من محتواها حين يتعلق الأمر بتدخلات الأمن لتفريق المتظاهرين، ذلك أنه، غالبا ما يمتنع الأطباء المعالجون، لأسباب واهية، عن تسليم المصابين شهادات طبية تثبت تعرضهم لإصابات وتحدد مدة العجز، وذلك تفاديا لمباشرة المسطرة في مواجهة الفاعلين، كما أنه في حالة التمكن من على الشهادة الطبية وتقديم شكاية في الموضوع إلى الجهات المعنية فإن مآلها غالبا ما يكون الحفظ لعدم الإثبات، وبالتالي تكون هاته النصوص المذكورة أعلاه بدون روح.
وعلى أي، فإن واقعة إنزكان تستوجب على الجميع ضرورة الوقوف عند حدود الدستور والقانون، تفاديا للتصعيد والفتنة، كما أنه من اللازم تحريك المساطر القانونية المعمول بها في مواجهة كل من سولت له نفسه المس بسلامة الأشخاص الجسدية والمعنوية، من أي جهة كان، وذلك من أجل تشييد صرح دولة ديمقراطية حديثة يكون فيها القانون ظلا وموئلا للجميع.
بقلم: عبد الكريم أمجوض – باحث في العلوم القانونية بالرباط